توصيلة الموت.. المجرمون استدرجوا طفلًا إلى منطقة مهجورة وقتلوه

الضحية
الضحية


الشرقية‭ :  ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

 

»يا ريتهم سابوه عايش».. كلمات باكية كحال أصحابه من المشيعين لجنازة شاب فارق الحياة قتيلًا بأبشع طرق الانتقام على أيدي ثلاثة من اللصوص الذين اتخذوا السرقة دربًا لهم وسفكوا الدماء لأجل دراجة نارية «توك توك» كان يقوده الفتى بحثًا عن نفقات بسيطة يعين بها أسرته ويساعد بها والده في قيادة المركبة عسى أن يسهم في توفير الأموال اللازمة لتأمين زفاف شقيقته الذي كان يفترض به أن يكون بعد ساعات من غيابه، لكن جثته وبشاعة التمثيل الذي حصل بجثمانه حولت الفرح إلى مأتم والألوان إلى سواد لا يمحوه غير القصاص الذي آت لا ريب فيه بحكم المحكمة.

في عزبة «ضاهر» التابعة لقرية «منشأة راغب» الممتدة بين مركزي الحسينية وفاقوس بمحافظة الشرقية، اعتاد الأهالي رؤية الطفل «أحمد محمد عبداللطيف الأخرسي» يجوب الطرقات الضيقة على متن «التوك توك» الصغير الذي كان يمثل بالنسبة له أكثر من مجرد وسيلة رزق؛ كان في الرابعة عشرة من عمره فقط، طالبا بالصف الثاني الإعدادي، لكن سنوات عمره القليلة كانت تحمل فوق كتفيه أعباء أكبر من سنه بكثير.

لم يكن «أحمد» طفلا عاديا يعيش تفاصيل المراهقة الأولى كما يفعل أقرانه؛ فبينما كان بعض أصدقائه يقضون أوقاتهم في اللعب أو متابعة مباريات كرة القدم، كان هو يفكر في كيفية مساعدة والده، على مواجهة أعباء الحياة اليومية، يعرف جيدا رغم صغر سنه أن الظروف الاقتصادية التي تمر بها أسرته ليست سهلة، وأن كل جنيه يعود به إلى المنزل يمثل عونًا حقيقيًا لوالدته وإخوته.

كان الابن الذكر الوحيد في أسرته ومكانته داخل البيت مختلفة، ليس لكونه الوحيد بين شقيقاته فحسب، بل لأنه يحمل داخل قلبه إحساسًا مبكرا بالمسئولية، والجميع داخل المنزل ينظرون إليه باعتباره السند القادم لأبيه، والعضد الذي سيشتد يومًا بعد يوم ليتحمل أعباء الأسرة.

وفي تلك الأيام تحديدا، كانت الأسرة تعيش حالة من الانشغال الممزوج بالفرح؛ فشقيقة «أحمد» الكبرى كانت تستعد للزفاف بعد أيام قليلة، في مناسبة تحول معها المنزل البسيط الذي اعتاد الهدوء إلى حالة من البهجة بدأت معها حركة متواصلة ما بين تجهيزات العروس وترتيبات الحفل، والحديث عن الفستان والضيوف والفرحة المنتظرة، ووسط كل ذلك كان «أحمد» حاضرا كل التفاصيل، يتحرك هنا وهناك، يساعد أسرته بكل ما يستطيع، يتحدث مع شقيقته عن يوم الزفاف، ويمازحها أحيانا، ويعدها بأن يكون أول المستقبلين للضيوف يوم العرس، لكن ما لم يكن يعلمه أحد أن القدر يخبئ للأسرة مأساة ستقلب كل تلك الاستعدادات إلى سرادق عزاء.

توصيلة

في الصباح خرج «أحمد» كعادته، حمل هاتفه المحمول واستقل «التوك توك» وانطلق بحثا عن رزقه اليومي، وكان الطريق مألوفًا بالنسبة له، والوجوه التي يقابلها يوميا لم تكن تثير لديه أي خوف أو قلق، لكن في مكان آخر، كان ثلاثة شبان يخططون لجريمة ستصدم محافظة كاملة.

التحريات كشفت لاحقا أن المتهمين الثلاثة «أحمد م ق ق»، البالغ من العمر 21 عاما، و«صلاح ع م ف»، 18 عاما، و«ممدوح ع إ ق»، 18 عاما، جميعهم من قرية العزازي التابعة لمركز فاقوس، اتفقوا فيما بينهم على الاستيلاء على «توك توك» بالقوة، فلم يكن لديهم المال لشراء مركبة خاصة ولم يفكروا في العمل أو الكسب المشروع، بل اختاروا الطريق الأسهل والأكثر وحشية، وكانوا بحاجة إلى ضحية صغيرة ضعيفة يسهل السيطرة عليها، وعندما ظهر «أحمد» أمامهم وجدوا فيه الهدف المثالي لتنفيذ مخططهم.

استوقفوه وطلبوا منه توصيلهم، وبالنسبة لـ«أحمد» لم يكن الأمر غريبًا؛ فهو يعمل يوميا في نقل الركاب، ثلاثة شبان طلبوا توصيلة وهذا جزء طبيعي من عمله، لكن لم يخطر بباله للحظة أن هؤلاء الركاب لا يريدون الوصول إلى وجهة معينة، بل يريدون الوصول به هو إلى نهايته.

استقل المتهمون «التوك توك» وجلسوا خلف الطفل الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وتحركت المركبة في الطريق بينما كان «أحمد» يقود مطمئنًا تمامًا، لم تحمل يداه سلاحًا يومًا ولم يتوقع شرا، غير أن من يجلس خلفه يضمرون له الشر.

اتجهوا به نحو منطقة أقل ازدحامًا، بعيدا عن العيون والمارة، وكلما ابتعدوا عن التجمعات السكنية أصبح الطريق أكثر هدوءًا والأراضي الزراعية تمتد على الجانبين، والمصارف المائية تشق المساحات الخضراء، ولا شيء يوحي بوجود خطر قريب.

هناك، في ذلك المكان المعزول، كشف المتهمون عن نواياهم الحقيقية، وحينها ربما حاول «أحمد» المقاومة أو أدرك متأخرا أنه وقع في فخ محكم، حاول الاستغاثة مرة والتوسل إليهم مرات أو ربما حاول الهرب، لكن ثلاثة أشخاص بالغين كانوا في مواجهته؛ لم يكتفوا بضربه أو تهديده، بل اختاروا واحدة من أبشع وسائل القتل.. شنقوه.

ثلاثة شبان التفوا حول طفل أعزل لا يزال يحمل ملامح الطفولة على وجهه، أحكموا الخناق حول عنقه حتى بدأت أنفاسه تتقطع، وحين قاوم قدر ما استطاع وتمسك بالحياة محاولًا النجاة كانت القوة غير متكافئة.

وبينما كانت شقيقته تختار تفاصيل زفافها القادم، كان «أحمد» في تلك اللحظات يخوض معركته الأخيرة مع من يرديدون قتله، حينها انتهى كل شيء خلال دقائق، وسقط الطفل جثة هامدة، واختفت ابتسامته، وتوقفت الأحلام الصغيرة التي كان يحملها داخله.

بعد تنفيذ الجريمة، استولى المتهمون على «التوك توك» وهاتفه المحمول، ثم تخلصوا من الجثمان بإلقائه بالقرب من مصرف خليج «النوافلة» على مقربة من بركة نادي الصيد التابعة لقرية العزازي، ظنوا أن الجريمة انتهت، وأن الطفل سيصبح مجرد جثة مجهولة يعثر عليها أحد المارة، لكن الجريمة كانت أكبر من أن تختفي بسهولة.

بلاغ

في ذلك اليوم تلقى مركز شرطة فاقوس بلاغا من الأهالي بالعثور على جثمان طفل ملقى بجوار المصرف، وحين انتقلت قوات الأمن وضباط المباحث إلى المكان كان المشهد مؤلمًا؛ جثمان صغير ملقى على الأرض في منطقة نائية، لا أحد يعرف هويته في البداية، وبدأت رحلة البحث عن اسمه وأسرته.

بعد الفحص والتحريات، توصل إلى أن الجثمان يعود للطفل «أحمد محمد عبداللطيف السيد أحمد»، الطالب بالصف الثاني الإعدادي، جاءت اللحظة الأصعب عندما استدعى والده، الرجل البالغ من العمر 41 عاما، والذي يعمل هو الآخر سائقًا لـ«التوك توك»، حضر للتعرف على الجثمان.

كانت لحظة قاسية لا يمكن للكلمات وصفها؛ أب خرج ابنه للعمل لمساعدته في مواجهة أعباء الحياة، فعاد إليه جثة هامدة.. أب كان ينتظر أن يرى ابنه يكبر أمام عينيه، فإذا به يقف أمامه داخل ثلاجة الموتى.

اقرأ  أيضا: توصيلة موت.. الأشرار الثلاثة استدرجوا شابًا في مشوار وهمي لتنفيذ الجريمة

انتشر الخبر بسرعة داخل القرية، وتحولت فرحة الاستعداد للزفاف إلى صدمة جماعية، البيت الذي كان يستعد لاستقبال المعازيم بدأ يستقبل المعزين، والشقيقة التي كانت تنتظر ارتداء فستان الزفاف أصبحت تبكي شقيقها الذي رحل قبل أيام من ليلة عمرها.

الأم كانت تعيش مأساة أخرى؛ فقدان الابن الذكر الوحيد ليس حدثًا عاديًا في أي أسرة، فكيف إذا كان هذا الابن هو السند والأمل والساعد الذي يعاون الأسرة في مواجهة متطلبات الحياة؟، وفيما خيمت حالة الحزن على القرية بأكملها دفعت الأجهزة الأمنية إلى تكثيف جهودها لكشف ملابسات الجريمة، وشُكل فريق بحث جنائي موسع بالتنسيق بين مديرية أمن الشرقية وقطاع الأمن العام.

بدأت عمليات فحص خطوط السير، وتتبع التحركات الأخيرة للمجني عليه، ومراجعة المعلومات والشهادات، ومع تقدم التحريات، بدأت الخيوط تتجمع، وسرعان ما توصل فريق البحث إلى هوية المتهمين الثلاثة، وبعد استصدار إذن النيابة العامة وتقنين الإجراءات، جرى ضبطهم.

أمام الأدلة والتحريات انهارت محاولات الإنكار واعترف المتهمون بتفاصيل الجريمة؛ اعترفوا بأنهم استدرجوا الطفل من الحسينية لتوصيلهم، واعترفوا بأنهم قتلوه شنقًا، واعترفوا كذلك بأن الدافع كان سرقة «التوك توك» والهاتف المحمول، كما أرشدوا عن المسروقات التي استولوا عليها.

تمكنت الأجهزة الأمنية من التحفظ على «التوك توك» الخاص بالمجني عليه وهاتفه المحمول، لكن استعادة المسروقات لم تكن تعني شيئا بالنسبة للأسرة؛ فما قيمة عودة المركبة بينما صاحبها لن يعود؟، وما قيمة استرداد الهاتف بينما اليد الصغيرة التي كانت تحمله قد فارقت الحياة؟!

نقل الجثمان إلى ثلاجة حفظ الموتى بمستشفى فاقوس المركزي تحت تصرف النيابة العامة، التي قررت انتداب الطب الشرعي لإجراء الصفة التشريحية وبيان أسباب الوفاة وكيفية حدوثها.

وفي الوقت الذي كانت فيه التحقيقات تتواصل داخل أروقة النيابة العامة بمركز فاقوس برئاسة محمد عادل، رئيس النيابة، كانت محافظة الشرقية كلها تتداول تفاصيل الجريمة التي تحولت إلى حديث الناس؛ لم يكن السبب مجرد وقوع جريمة قتل بغرض السرقة، بل لأن الضحية كان طفلًا خرج يبحث عن لقمة العيش يساعد والده وينتظر أن يشارك شقيقته فرحة زفافها بعد أيام، لكن ثلاثة متهمين قرروا أن ينهوا حياته بأبشع صورة ممكنة مقابل «توك توك» وهاتف محمول.

وهكذا، وبينما كانت الأسرة تستعد لاستقبال ليلة فرح، وجدت نفسها تستقبل نعش ابنها الوحيد، لتتحول الزغاريد المنتظرة إلى دموع، وتتحول ثياب الفرح إلى ملابس حداد، كما بكت شقيقته وهي تودعه الى قبره، في واحدة من أبشع الجرائم التي هزت محافظة الشرقية وأوجعت قلوب كل من عرف تفاصيلها.

;