حكمت المحكمة.. حبل المشنقة نهاية الصديق الخائن

المحكمة
المحكمة


الإسكندرية‭ - ‬محمد‭ ‬مجلى

 

لم تكن قطرات المطر الخفيفة التي غسلت شوارع منطقة «أبو يوسف» بحي العجمي الشهير بغرب الإسكندرية، كافية لتطهير أجواء تلك الليلة من بشاعة ما حدث؛ فقد استيقظ الأهالي على رائحة عفونة غريبة تزكم الأنوف، وقادتهم خطى الخوف نحو صندوق مخلفات رئيسي.

يرتد الجميع إلى الوراء في صدمة هزت أركان المحافظة الساحلية؛ بعد أن شاهدوا جوالا بلاستيكيا يخفي بين طياته أشلاءً بشرية ممزقة باحترافية مجرم، تبين فيما بعد أنها لشاب في مقتبل العمر، تحولت رحلة بحثه عن «لقمة العيش» إلى مشهد ختامي مرعب في كتاب الجريمة.

كشفت الجريمة أيضا أن الجاني ليس بغريب، فهو صديقه ورفيقه فى رحلة البحث عن لقمة العيش، بعدها أصدرت المحكمة حكمًا رادعًا بعد كلمات تهتز لها الأبدان وتؤكد أن العدالة ستقتص لكل من تسول له نفسه قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

شقة بسيطة جمعت ٣ من المغتربين، دارت فصول المأساة التي فك رجال المباحث شفرتها في ساعات معدودة، حيث تحول رفيق السكن والعمل إلى سفاح في لحظة غضب انتابته بعد أن واجهه الضحية بضمير حي مستنكرًا اختفاء "1200 جنيه" من أموال سيدة نقلوا لها بعض الأثاث، لم يتحمل الجاني نظرات الاتهام وفضيحة السرقة، فامتزجت لغة العتاب ببريق نصل حاد أنهى حياة صديقه، قبل أن يجلس بدم بارد ليقطع جثته ويتخلص منها تحت جنح الظلام، ظنًا أن المطر سينهي حكايته، وغافلاً أن دماء الأبرياء دائمًا ما تصرخ طائرة فوق الضباب إلا أن يد العدالة كانت له بالمرصاد.

حكم تاريخي

وجه رئيس المحكمة كلمات مؤثرة قبل النطق بالحكم جاء فيها: يَا طَهُ، لَقَدْ جِئْتَ مِنْ بَلَدِكَ الْبَعِيدِ تَبْتَغِي الرِّزْقَ فِي مَعِيَّةِ رُفَقَاءِ الْغُرْبَةِ وَالْكِفَاحِ، فَجَمَعَتْكَ بِالْمَجْنِي عَلَيْهِ لُقْمَةُ العَيْشِ وَضِيقُ السَّكَنِ، وَمَا عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ السَّكَنَ سَيُصْبِحُ قَبْرًا لِضَمِيرِكَ وَمَقْبَرَةً لِرَفِيقِكَ.

وأضاف: عَاتَبَكَ رَفِيقُكَ عَلَى مَالٍ ظَنَّ أَنَّكَ أَخَذْتَهُ، فَلَمْ تَسَعْكَ الحِلْمَةُ، وَأَضْمَرْتَ فِي نَفْسِكَ شَرًّا، وَرَكِبْتَ هَوَى النَّفْسِ حَتَّى جَمَحَ بِكَ الشَّيْطَانُ إِلَى طَرِيقٍ لَا يَرْجِعُ بِصَاحِبِهِ إِلَّا إِلَى الهَلَاكِ، فَاخْتَرْتَ سَاعَةَ خُلُو السَّكَنِ، وَأَعْدَدْتَ سِكِينَكَ وَعُدَّتَكَ، ثُمَّ خَطَوْتَ إِلَيْهِ خُطُوَ المُتَلَصِصِ، تُظْهِرُ الرُّشْدَ وَتُبْطِنُ الغَدْرَ، حَتَّى إِذَا اطْمَأَنَّ إِلَيْكَ وَأُوصِدَ الْبَابُ عَلَيْكُمَا، كِلْتَ لَهُ الضَّرَبَاتِ فِي الرَّقَبَةِ وَالصَّدْرِ وَالرَّأْسِ، قَاصِدًا إِزْهَاقَ الرُّوحِ عَمْدًا.

واختتم القاضي كلماته قبل النطق بالحكم جاء فيها: أَمَا سَمِعْتَ أَنِينَهُ؟ أَمَا رَأَيْتَ الدَّمَ يَنْزِفُ سَاخِنًا مِنْ جَسَدِهِ؟ أَمَا حَدَّثَتْكَ نَظَرَاتُهُ الأخِيرَةُ أَنَّ القَتْلَ وَجَعٌ لَا يُحْتَمَلُ، وَأَنَّ الغَدْرَ خِزْيٌ لَا يُغْتَفَرُ؟ يَا طَهُ، إِنَّ جُرْمَكَ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ الدِّمَاءَ لَا تُوَارَى، وَمَنْ تَعَمَّدَ إزهَاقَ النَّفْسِ ، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ العِقَابَ، وَحَقَّ عَلَيْهِ حُكْمُ العدالة.. حَكَمَتِ الْمَحْكَمَةُ بِإِجْمَاعِ الْآرَاءِ بِمُعَاقَبَةِ الْمُتَّهَمِ طه بالإعدام شنقًا حتى الموت.

صدر الحكم برئاسة المستشار مدحت عبد الحميد أبو غنيم رئيس المحكمة، وعضوية المستشار رفيق رؤوف بهنام، والمستشار عمرو أمين بهلول، وسكرتير المحكمة أحمد يوسف حجاج.

مرافعة نارية

وقدمت النيابة العامة مرافعة نارية، اذ قال وكيل النائب العام: جئت إليكم بقلب مكلوم ولسان بحب العدالة منظوم، فنحن اليوم لا نحاكم قاتلا فحسب بل نحاكم سفاحا، تجرد من الآدمية، واستبدل الرحمة بالوحشية في واقعة لم تقف بشاعتها، عند حد القتل بل تجاوزته إلى التمثيل والتنكيل.

وأضاف وكيل النائب العام؛ تقف الكلمات عاجزة وتخرس الألسن من هول النذالة، فلم يكتف الجاني بالقتل، بل شرع في فعل تأنف من الوحوش، وقف أمام الجثة الهامدة لا كآسف حزين بل أخذ يتأمل الجسد كضبع لئيم يحسب كيف يخفي وأين وبأي طريقة لا تترك أثرا.

وتابع، القضاة الأجلاء لقد نُقلت الجثة من موضعها بعناية فوق ما يمنع الأثر من الامتداد ثم بدأ المتهم الماثل أمامكم فعل التمثيل، إذ استل السكين وإحرازه ليعمله كما يعمل السياف النصل في الذبيحة، وبدأ يفصل الأوصال يقطع الأطراف في مشهد تتزلزل منه الجبال لم يكن تفكيك الجسد عبثًا كان استجابة لحسابات المكان والوزن والحركة كل جزء قدر له موضع، وكل موضع اختير بعد تفكير، ما يمكن أخفائه هنا وما يجب نقله وما لا يجوز أن يرى.

وأضاف وكيل النائب العام؛ عندما واجه المتهم صعوبة فصل العظام لم يتراجع ولم يقف، بل أخذ يطرق بقالب الحجارة فوق نصل السكين، في إصرار مروع حتي خضعت العظام لقسوته وانفصل الجسد أشلاء، فقطع الرأس التي تفكر واليدين التي كانت تعمل والساقين التي كانت تسعى، شطر الجسد نصفين ونثر الاحشاء وبدأ في فرز الأشلاء وكأن الجسد الآدمي قد صار في عينيه متاعا يجزأ أو ذبيحة تقطع لكي لا تنبئ، وبإعادة سؤاله،عما اذا كان قد ساوره الشعور بالندم عقب مرور فترة زمنية علي ارتكاب الواقعة، وأجاب قائلا: أنا مش ندمان اني موته انا ندمان اني اتحبست فيه".

العدل

وأوضح وكيل النائب العام، قائلا: "الهيئة الموقرة أن القصاص هنا ليس خيارًا بل ضرورة يفرضها العدل، ويستوجبها الأمن ويصرخ بها ضمير المجتمع وأن النيابة العامة وهي الأمينة علي المجتمع، تلتمس من عدالتكم أن تنزلوا بهذا المتهم أقصى عقاب، نطالب بالإعدام شنقا، حتي تطهر الأرض وتبرد نيران الغيظ في صدور المكلومين ويكون عبرة لمن تسول له نفسه العبث بحرمة الدماء".

واكد وكيل النائب العام،  أن المتهم قرر أن ينهي حياة ويبدأ في الأرض الفساد، لم يكن الخلاف يستدعي الدماء ولم تكن الكلمات تستوجب الفناء لكن المتهم كان يضمر في جوانحه نارا يذكيها الشيطان، فلم يكن القتل وليد لحظة عابرة بل كان تتويجا لنية غادرة، لقد دبر المتهم وخطط ورسم للمكر طريقا وشرط وفي ساعة غابت فيها التقوى وحضر فيها الشيطان بكل عتاده وفي سكون المكان دنت اللحظة التي خلع فيها المتهم قناع المودة وكشف عن وجه امتلآ غدرا وحقدا، كانت تلك هي اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت وبين الصداقة والعدواة وبين الإنسان والوحش وفي غفلة من الزمن انكشف المستور.

وواصل، استل المتهم سلاحه وأطبق علي الضحية وما أن سدد له الطعنة الأولى حتى انفصل نصل السكين، واستل المتهم سكينا آخر أعده سلفا من بين طيات ملابسه وأخذ يسدد طعناته في وحشية عمياء فلم يكن طعنة واحدة بدافع الخوف بل تكرار ثم متابعة ثم تأكد ثم إمعان، (حيث تحول المأوى إلى مسلخ والجار إلى ذبيح والإسمنت إلى كفن).

واختتم أن الدماء تسيل لتروي أرضا لم تشهد مثل هذا التوحش، نمثل اليوم في رحاب عدلكم المقدس لا بصفة الادعاء الجاف الذي تسوقه الأوراق بل بصفتنا صوتا لتلك الروح التي نزعت غدرا، ولسانا لتلك الأعضاء النيابة نثرت في الخلوات فصارت تصرخ بالأنين قبل الكلمات، مطالبات بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم.

بداية الواقعة

تعود الواقعة إلى تلقي الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية برئاسة اللواء رشاد فاروق،  مساعد وزير الداخلية، مدير أمن الإسكندرية، إخطارًا من قسم شرطة الدخيلة، يفيد بالعثور على جثة شخص ومتعلقاته داخل جوال أبيض والجثة مقطعة لأجزاء وغير مكتملة وذلك بأحد مقالب القمامة بنطاق أبو يوسف دائرة القسم.

على الفور انتقلت الأجهزة الأمنية إلى موقع الحادث وتم  العثور على أجزاء من الجثة وعدم العثور عليها كاملة، وهو ما تم كشفه خلال ساعات قليلة، اذ تبين أن المتهم قام بدفن باقي الجثمان فى الشقة التي يسكنوها، وأن المجنى عليه يدعى (ع. ع .ص)، فى العقد الرابع من العمر، عامل باليومية مقيم بدائرة القسم، رفقة اثنين من زملائه فى المسكن والعمل أن مرتكب الجريمة هو أحدهما ومقيم فى ذات الغرفة ويدعى (طه .ج.ع)، فى العقد الرابع من العمر، اذ رصدته الكاميرات يحمل جوال ويسير به منذ نزوله من محل سكنهم حتى وصوله إلى مقلب القمامة الذي كان يقصده وتم العثور على أجزاء من الجثة بداخله.

جرى ضبط المتهم بعد رحلة بحث استغرقت ٦ ساعات فقط، وبمواجهته اعترف بارتكاب الجريمة، موضحًا أن سبب ارتكابه لها هو الخلاف على ١٢٠٠ جنيه، سرقها من إحدى السيدات اللاتي كانوا يعملون لديها، لافتا إلى أن المجنى عليه طلب منه أن يشاركه نقل أثاث منزلي "عفش" بمنطقة البيطاش، بنطاق حي العجمى، لدى إحدى السيدات وعقب وصولهما إلى العمل والانتهاء من نقل العفش، استفسرت منهم صاحبة العمل عن اختفاء مبلغ مالى قدره ١٢٠٠ جنيه بأحد الأدراج الذي كان ضمن المنقولات، لكنهما نفيا صلتهما بالأمر وطالبا السيدة بتفتشيهما أو إبلاغ الشرطة لكنها رفضت.

اقرأ  أيضا: طمعا في التوك توك.. الإعدام لعامل بالإسكندرية لاتهامه بقتل صديقه

وقال المتهم خلال اعترافاته: "بعد مرور عدة أسابيع سألني المجنى عليه عن المبلغ الذي فقدته السيدة ووجه لي اتهامًا بسرقته وهو ما تم نفيه جملة وتفصيلا"، مبينًا أن المجنى عليه استغل حاجتي للمال بسبب التعثر فى العمل لفترة وتراكم الديون وأنه تعدى عليا لفظيًا، الأمر الذي أغضبني وفكرت فى التخلص منه، انتظرت خروج صديقنا الثالث وقمت بإغلاق باب الشقة وأحضرت عدد ٢ سلاح أبيض عبارة عن سكينتين الأولى كبيرة الحجم والثانية صغيرة وتوجهت إلى غرفة نوم المجنى عليه وطالبته بالذهاب إلى السيدة لإنهاء الخلاف الإ أن الأخير رفض، فأخرجت السكينة الصغيرة وضعتها فى رقبة المجنى عليه ثم طعنته طعنة أخرى فى صدره قبل أن أسدد له عدة طعنات استقرت في البطن ثم قمت بتقطيع الجثة لأجزاء ودفنت منها أجزاء فى الشقة، ثم أخذت باقي الجثمان ووضعته فى جوال وقمت بإلقاء الجوال بإحدى صناديق القمامة.

;