سوق على الرصيف| لقمة العيش وحق المرور معادلة تبحث عن توازن

صور.. سوق على الرصيف
صور.. سوق على الرصيف


من شوارع المدن إلى طرق القرى، تواصل الأسواق العشوائية حضورها باعتبارها واحدة من أكثر الظواهر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين، فبالنسبة لآلاف الباعة تمثل هذه الأسواق مصدرًا للرزق وفرصة للعمل، بينما يراها السكان سببًا فى الزحام وتعطل الحركة وتراجع مستوى التنظيم داخل المناطق السكنية..

وتكشف بيانات وزارة التنمية المحلية حجم هذا الملف، إذ يصل عدد الأسواق العشوائية فى مصر إلى 1753 سوقًا، مقابل 618 سوقًا رسميًا. 

ورغم جهود التطوير والحملات المتواصلة، ما زالت الظاهرة تفرض نفسها بدرجات متفاوتة من محافظة إلى أخرى، وفى هذا الملف، ترصد «الأخبار» كيف تعيش المحافظات المختلفة هذه الظاهرة، وما بين شكاوى الأهالى ومطالب الباعة وجهود المسئولين، تتعدد الروايات .

 

المنوفية| فوضى وزحام وأزمات  

 

تنتشر الأسواق العشوائية بمراكز محافظة المنوفية، وأكد د. محمود فوزى، باحث فى الجغرافيا السكانية، أن تقارير ودراسات رسمية تشير إلى أن هذه الظاهرة تتسبب فى إشغال الطرق وإعاقة الحركة المرورية، إلى جانب آثار اجتماعية واقتصادية متعددة.

وأشار محمد علام، موظف، إلى انتشار الأسواق العشوائية بمدينة شبين الكوم، موضحًا أن انخفاض الأسعار يجذب المواطنين إليها، لكن الزحام وصعوبة المرور يظلان من أبرز المشكلات.

على الجانب الآخر، يرى محمد عبدالعزيز، بائع خردة، أن الأسواق العشوائية تمثل مصدر رزق للكثير من الأسر، مطالبًا بتوفير أماكن منظمة تتيح للباعة العمل وتحافظ على إقبال المواطنين.

وفى جانب آخر، أكد أشرف عزمى، عامل نظافة، أن انتشار الأسواق العشوائية يزيد من حجم المخلفات ويصعب أعمال الجمع والنقل، ما يضاعف أعباء العمل ويسهم فى انتشار القمامة بالشوارع المحيطة.

وأشار وجيه لطفى، عضو مجلس محلى سابق، إلى أن الحل لا يقتصر على حملات الإزالة، بل يتطلب التوسع فى إنشاء الأسواق الحضارية، وتوفير أماكن مناسبة للباعة، وتكثيف الرقابة بما يحقق التوازن بين حق المواطن فى بيئة منظمة وحق البائع فى مصدر دخل مناسب .

 

الفيوم| تحت الحصار كل يوم «إثنين»


فى صباح كل يوم إثنين، تستيقظ قرية دار السلام التابعة لمركز طامية بمحافظة الفيوم على مشهد يتكرر أسبوعيًا، حيث يتحول الطريق الرئيسى إلى سوق ممتد، وتنتشر البضائع ويشغل الباعة مساحات واسعة، مما يؤدى إلى تكدس السيارات وصعوبة الحركة.

ولا يرفض الأهالى وجود السوق باعتباره مصدرًا للرزق ونشاطًا اقتصاديًا مهمًا، لكنهم يرون أن تحوله إلى حالة من العشوائية جعل منه أزمة أسبوعية تؤثر على حركة القرية لساعات طويلة.

قال محمد أحمد أحد أبناء القرية: «إحنا مش ضد السوق ولا ضد رزق الناس، لكن المشكلة إن السوق بقى فى نص الطريق الرئيسى، يعنى القرية كلها بتتوقف يوم الإثنين، أى حد عايز يدخل أو يخرج بيقضى ساعات فى الزحمة، وكأن القرية بتغلق من غير قرار».

وأضاف على محمود: «الطريق البديل مش حل، ده طريق صغير، ولو عربية نقل كبيرة حاولت تدخل بتقف ومتعرفش تكمل، وساعتها الأزمة بتكبر أكتر إحنا بنتكلم عن طريق يخدم قرية كاملة مش مجرد شارع عادى».. وأوضح سيد أحمد: «أخطر حاجة إن لو حصلت حالة طارئة محدش يضمن العربية هتوصل فى وقتها ولا لأ الطريق لازم يفضل مفتوح للحالات الإنسانية قبل أى شيء»..

ورغم أن السوق يتم تنظيمه وبشكل قانونى، فإن الأهالى يرون أن التنظيم لا يعنى بالضرورة بقاء السوق فى موقعه الحالى، مؤكدين أن المكان أصبح غير مناسب مع زيادة عدد السكان وحجم الحركة اليومية.

 

بنى سويف| الباعة يتمسكون بالشارع


مع الساعات الأولى من صباح يومى الاثنين والثلاثاء من كل أسبوع، تتغير ملامح مدينة سمسطا جنوب محافظة بنى سويف مع انتشار الباعة على الأرصفة وجوانب الطرق، وتحول الشوارع الرئيسية إلى ممرات ضيقة تعيق حركة السيارات والمواطنين.

ويعد شارع 26 يوليو من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة لاحتوائه على عدد من المصالح الحكومية والمنشآت الحيوية، ولا تقتصر الظاهرة على هذا الشارع، بل تمتد من بداية شارع السوق حتى السوق الرسمى للمدينة، فى مشهد يجمع بين النشاط التجارى المنظم والعشوائى.

وقال أبو هشيمة محفوظ، موظف، إن أيام السوق أصبحت تمثل عبئًا على المواطنين، إذ يتطلب الوصول إلى المصالح الحكومية وقتًا أطول، مضيفًا: «أحيانًا نضطر للسير مسافات طويلة بسبب إغلاق بعض الممرات».

ويرى إبراهيم فتحى، موظف، أن الشوارع تتحول خلال أيام السوق إلى حالة من التكدس، وتختفى الأرصفة تحت البضائع، مما يزيد معاناة كبار السن والمرضى.

وقالت أم أيمن أحمد، ربة منزل: «نلجأ إلى السوق لانخفاض الأسعار، لكننا نعانى من الزحام والتدافع، ونخشى على الأطفال وسط الأعداد الكبيرة».

وداخل أحد محال الفاكهة المطلة على شارع السوق، قال أشرف جمال إن أصحاب المحال يتضررون من انتشار الباعة الجائلين، موضحًا: «ندفع إيجارات وفواتير ورسومًا وضرائب، بينما يبيع الباعة أمام المحال دون تحمل التزامات مماثلة»، وأكد ياسر يوسف، صاحب محل، أنهم لا يعارضون توفير مصدر رزق للباعة، لكنهم يطالبون بتنظيم الأسواق.

على الجانب الآخر، يرفض الباعة الجائلون تحميلهم مسئولية الأزمة بالكامل. وقال ياسر محمد، بائع خضراوات، إن الباعة يتواجدون فى الشوارع لارتباطها بحركة الزبائن، موضحًا أن كثيرًا من الأسر تعتمد على دخل يوم السوق كمصدر رزق أساسى.

وأكد محمد إبراهيم، بائع متجول، أن بعض المواقع البديلة التى طرحت سابقًا لم تحقق النتائج المطلوبة، مشيرًا إلى أن نجاح أى سوق بديل يرتبط بقربه من حركة المواطنين.

وقال شعبان محمد، بائع ملابس، إن الإقبال الكبير خلال يومى الاثنين والثلاثاء، خاصة من القرى المجاورة، يدفع الباعة إلى التواجد فى المناطق الأكثر ازدحامًا.

فيما أشار رمضان محمد، بائع، إلى أن توفير سوق مجهز بالمرافق والخدمات وفى موقع مناسب سيشجع الباعة على الانتقال إليه.

وقال عمرو أحمد، سائق سيارة أجرة، إن الزحام خلال أيام السوق يؤدى إلى بطء الحركة وزيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود، ما يدفع بعض الركاب إلى النزول قبل الوصول إلى وجهاتهم.

وقال محمد عبد الوهاب، عامل نظافة، إن حجم المخلفات الناتجة عن السوق الأسبوعى يفوق الأيام العادية، موضحًا أن بقايا الخضراوات والفاكهة والعبوات البلاستيكية تمثل الجزء الأكبر منها.

 

سوهاج| الكر والفر يسيطران على الأسواق


على الرغم من جهود وزارة التنمية المحلية ومحافظة سوهاج فى إنشاء أسواق حضارية للحد من الأسواق العشوائية وتقليل التلوث والاختناقات المرورية، فإن الظاهرة ما زالت مستمرة، ما يدفع الوحدات المحلية إلى تنفيذ حملات متواصلة لرفع الإشغالات.

وتستمر حالة الكر والفر بين الأجهزة التنفيذية والباعة الجائلين، إذ يعود المخالفون إلى مواقعهم بعد انتهاء الحملات ومغادرة المسئولين.

وقال عم بارح محمد، شيخ الباعة وأحد أصحاب الباكيات بسوق مدينة ناصر الحضارى، إنهم انتقلوا من السوق العشوائى المجاور لمبنى المحافظة إلى السوق الحضارى الجديد بعد التعاقد مع الحى مقابل 450 جنيهًا شهريًا للباكية، إلا أن استمرار الباعة الجائلين فى السوق القديم أدى إلى تراجع الإقبال على السوق الحضارى وانخفاض حركة البيع، مطالبًا بمنع عودة المخالفين إلى مواقعهم السابقة.

وخلال جولة لـ «الأخبار» بميدان العارف بالله، رصد استغلال عدد من الباعة الجائلين لحديقة الميدان المخصصة للمواطنين وزوار المسجد، وعند سؤال أحد الباعة عن سبب تواجدهم، أكد أنهم يعملون بعلم الحى وبموجب عقود رسمية.

من جانبه، نفى علاء شعراوى، رئيس حى غرب سوهاج، صحة هذه الادعاءات، مؤكدًا أن وجود الباعة فى الموقع إشغال للطريق، وأن أجهزة الحى بالتعاون مع شرطة المرافق تنفذ حملات يومية لإزالة المخالفات إلا أن مشهد الكر والفر يتكرر باستمرار، حيث يعود الباعة إلى مواقعهم.
وأكد اللواء طارق راشد، محافظ سوهاج، أن إنشاء الأسواق الحضارية يستهدف القضاء على الأسواق العشوائية وما تسببه من مشكلات بيئية واختناقات مرورية.

 

البحيرة| أزمة التنظيم تبحث عن حل

أصوات الباعة تتعالى، وعربات الخضار والفاكهة تفترش الطرق، مسببةً تكدسًا مروريًا واختناقًا يوميًا فى منطقة الهداية بوسط دمنهور وشارع الروضة بمنطقة شبرا، فضلًا عن الأسواق العشوائية المنتشرة فى القرى.

ولم تعد هذه الأسواق مجرد منافذ لبيع السلع بأسعار منخفضة، بل تحولت إلى ظاهرة تفرض نفسها على المشهد المحلى، بما تسببه من أزمات ومشكلات.

ورصدت «الأخبار» أسباب انتشار الظاهرة، حيث أرجع الباعة ذلك إلى نقص فرص العمل وسهولة التجارة دون تكاليف، بينما أرجع المستهلكون إقبالهم على الأسواق العشوائية إلى قربها وانخفاض أسعارها مقارنة بالمحال الرسمية.

وعن الآثار السلبية، أكد حسن حجاج، موظف ومقيم بمدينة دمنهور، أن الأسواق العشوائية تتسبب فى إغلاق الشوارع وتعطيل حركة المارة والسيارات، خاصة سيارات الإسعاف والمطافئ، إلى جانب تراكم المخلفات بعد انتهاء السوق.

وأشار إلى أن سوق شارع الروضة بمنطقة شبرا يعد نموذجًا لهذه المشكلة، رغم أهمية الشارع ووجود محكمة دمنهور الابتدائية ومبنى شرطة المرافق، مطالبًا بتوفير أماكن مناسبة للباعة للحد من العشوائية.

وأوضح أحمد مدكور، صاحب محل بشارع الهلال، أنه يعانى من انتشار الباعة الذين يفترشون الشارع يوميا بشكل عشوائى بمنطقة الهداية والطريق، مما تسبب فى تشويه المظهر العام وتأثير ذلك على حركة البيع بالمحلات وإقبال المواطنين عليها، مطالبًا بنقل السوق، على غرار سوق منطقة كوبرى إفلاقة، مع توفير أماكن مناسبة للباعة مقابل رسوم رمزية للحفاظ على مصدر رزقهم والحد من العشوائية.

وعلى الجانب الآخر، قالت أمل بائعة: «نحن لا نبحث عن الفوضى، بل نسعى إلى توفير لقمة العيش، ونتمنى توفير أماكن بديلة مرخصة ومنظمة وبأسعار رمزية تحمينا من الحملات الأمنية وحملات شرطة المرافق»، مؤكدة أنها تعانى يوميًا فى البحث عن مكان مناسب لممارسة عملها بعيدًا عن حملات الإزالة.

وفى قرية الشوكة التابعة لمركز دمنهور، تسبب السوق العشوائى فى تعطيل الحركة المرورية وتراكم المخلفات، وسط مطالب بنقله بعيدًا عن الطريق الرئيسى.

وأكد محمد مسعود بهنسى، رئيس مركز ومدينة دمنهور، أن المجلس يعمل على تنظيم الأسواق من خلال رفع الإشغالات وإنشاء أسواق حضارية بديلة لنقل الباعة، مشيرًا إلى إنشاء سوق بديل بمنطقة إفلاقة وتوفير محلات بإيجار رمزى، إلى جانب نقل الباعة الجائلين من عدد من الشوارع.