الدجّال لا يقترب من الأمراض التى حسمها الطب بقوة.
هو يلعب دائمًا فى المنطقة الرمادية.
لا أحد يهرع إلى شيخٍ وفى شريانه نزيف.
لا أحد يطلب رقيةً وقلبه يخفق بين الحياة والموت.
لا أحد يشترى تعويذةً لتعالج كسرًا بالعظام.
لأنه فى هذه الحالات، الطب أوضح من أن يُنافَس.
لكن فى الصرع، والعُقم غير مفسَّر السبب، والإجهاض المتكرر، والقولون العصبي، والاكتئاب، والوسواس القهري، والآلام المزمنة - هنا يلعب الدجّالون. حيث تتراجع الإجابات الطبية القاطعة.
حين يقول الطبيب: «لا نعرف».. فى هذه اللحظة بالضبط، يدخل الدجّال.
والمفارقة المُرَّة أن ما يفتح الباب للدجل ليس جهل الطب، بل صِدقه. الطبيب الذى يعترف بحدود علمه يترك فى نفس مريضه فراغًا لا يحتمله إنسانٌ يعاني، والمريض لا يطلب تشخيصًا فحسب، بل يطلب معنىً لما يحدث له. يطلب جوابًا لسؤال: «لِمَ أنا؟». وحين يصمت العلم أمام هذا السؤال، يتحدّث الدجّال بثقةٍ لا يملكها أحد.
كلما كان الطبيب أكثر التزامًا بالدليل، كان أقلَّ قدرةً على منح اليقين، وكلما كان الدجّال أكثر جهلًا، كان أكثر جُرأةً على الوعد بالشفاء.
ولهذا، لا تُكسَب المعركة بالحقائق وحدها، لا يكفى أن نقول للناس: «هذا دجل». علينا أن نسأل: ماذا أعطاه الدجّال ولم يُعطِه الطبيب؟ فى الغالب أعطاه وقتًا، وإنصاتًا، وشعورًا بأن أحدًا يفهمه، وقصةً يُفسِّر بها ما يُجرى فى جسده.
المنطقة الرمادية فى الطب ليست عيبًا يُسدّ بمزيد من الأدوية، بل مساحةٌ إنسانية تحتاج طبيبًا يجلس، ويُنصت، ويعترف، ويُرافق. الطبيب الذى يقول: «لا أعرف.. لكننى معك» أقوى من ألف تعويذة.
اليقين الزائف لا يُهزَم بادعاءاتٍ أقوى، بل بحضورٍ أصدق.
والمعركة مع الدجل لا تُكسب على المنابر، بل فى عيادةٍ لا يستعجل فيها الطبيبُ مريضه.

شعرة معاوية
ليلة سقوط الأباتشى
مهازل كروية بالدولار






