لأن «المسرح أبو الفنون»، فكلما سنحت لي فرصةُ مشاهدة أحد العروض، هجرتُ الدنيا ولَبَّيتُ النداء.. الأيام الماضية، تلقيت دعوة من تلميذة احترفت التمثيل، استمتعت بعدد من أغرب القصص في رواية واحدة.. العرض اسمه «عائلة عشري»، الرواية مستوحاة من جملة واحدة جاءت في الفيلم السينمائي «إبراهيم الأبيض»، حين وجه الفنان عمرو واكد سؤالًا لصديقه يقول فيه: «بِعتني بكام يا عشري؟».. تفاصيل الأحداث تكشف حكايات للذي باع مقابل المال، وغيره الذي استهدف السلطة، وآخر مارس الهواية العائلية من أجل أوهام لم تتحقق وأهدر خبراته دون الوصول لشيء.
ولأن لكل زمان «عشري»، فالحكاية قديمة قِدَم «بلاص مِشّ صعيدي»، نجح المؤلف في سرد وقائع تعود إلى ما يزيد على «قرن» مضى، وإنْ كنتُ لا أدري ما إذا كان هذا «القرن» هو مدة الزمان الماضي، أم هو أحد «القرنين» اللذين ينبتان خلف أذنيّ كل «عشري»، يراهما الناس جميعا ويعمون بصرهم وبصيرتهم عنهما، مثله مثل ما قرأناه في طفولتنا عن «الثعلب المكّار»، الذي تنكّر في ملابس الطبيب ليتمكن من دخول حظيرة الطيور وافتراسها، لكنه غفل عن ذيله الذي يطل من فتحة البالطو الأبيض، وتم اكتشاف مؤامرته.
الأمثلة عديدة على مر الفصول، مشاهدُها تجلب لك شعورًا مختلطًا بين الضحك والسخرية و«الاستوعاظ»- على رأي عمنا محمد رضا- فذلك لاعب قضى على مستقبل أحد نجوم المنتخب القومي بوشاية «عشرية» ممزوجة بدِرهَم من الحق مع دنانير من الباطل، ولم يكن قرينه من العائلة الموهوبة أقل إبداعًا حين استخدم مهاراته في الإطاحة بواحد من أهم وزراء الحكومة في وقت «الاستعشار» معه.. وأطرف فصول المسرحية تناول جهدًا جهيدًا وعناء شديدًا، بذله «مشخصاتي» لحرمان زميله من بطولة «فيلم عالمي» ليذهب الدور إلى آخر، كان سببًا في استبعاد «عشري» العمل كله، إذ رفض إشراكه كـ«بطل ثان» ولا حتى سَنِّيد أو «كومبارس».
بعد العرض، جمعتني جلسة مطولة مع المؤلف- الشاب في عمره، العجوز في تفكيره- ودار بيننا حديث، ظللت معظم وقته مستمعًا.. علمتُ من كلامه أن «في كل خرابة عشري» ينتشرون في مجال السياسة والاقتصاد والفن والإعلام والرياضة، وحالات أخرى عديدة يمارسون نشاطهم من أجل مصالحهم الشخصية فقط، بعضهم «عشري» بطبيعته، وغيرهم صناعة يدوية لأصحاب أهداف معينة.. لكنّ جميعهم لابد أن يكونوا قريبين من ضحاياهم، ينالون شيئًا من ثقتهم، ينطبق عليهم قول الشاعر:
- يلقاك يحلف أنه بك واثق
وإذا توارى عنك فهو العقربُ
- يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
الحكايات الحقيقية صادمة، لكن «السلام النفسي» كله في عدم إضاعة وقتك بالتفكير في أمثال هؤلاء؛ لأن للكون ملِكًا يدبر أمره، يعطي ما يشاء لمن يشاء، ستكسب كل شيء إذا امتلكت نَفْسًا راضية، لا تُدمِن الشكاية والبكاء، لأنك وإن حققت من الأهداف ما حققت، ووصلت إلى غايات ظننت أنها بعيدة المنال، فمؤكد أنك لن تشعر بلذة ما بين يديك إذا حرمك الله من نعمة «الرضا».. لا تنزلق إلى الوحل إن كنت ممن عافاهم الله، وتوقف عما أصبت به غيرك إن كنت «عشري الطباع».. أَعلِنْ توبتك واندم؛ لأن الذين تظن أنك خدعتهم، يسخرون من ثمنك الرخيص.. ياااااااااااا «عشري»..

قفزة للـرعاية الـصـحية مع الإصلاحات التعليمية
يومان أو ثلاثة !
الديون نقمة وأحيانًا نعمة!







