أمضيت أربعة عشر يوماً فى إسبانيا، حيث قمت بدور فى فيلم من إنتاج ماری كوینی بالاشتراك مع شركة إيطالية اسمها «روما فيلم» ..وها أنا أحدثكم عن أغرب مشاهداتى فى تلك الرحلة الفنية الغريبة بعض الشيء.
عندما حُدد يوم سفری كنت قد أعددت حقائبى وما يلزمنى فى رحلتى إلى إسبانيا، وودعت القاهرة وركبت الطائرة التى هبطت بى إلى أرض إسبانيا فى وقت متأخر من الليل.
وقضيت فترة مع موظفى الجمرك فى المطار ما بين سؤال وتفتيش وتدقيق، فلما انتهيت من هذه المهمة أردت الذهاب إلى أحد الفنادق، وقبل أن أغادر المطار قصدت إلى مكتب استبدال النقود، لكننى فوجئت برفض المكتب استبدال نقودى، وقيل لى إن استبدال العملة المصرية من اختصاص البنك فقط وليس مكاتب الصرافة الحرة، ولم يكن هناك بطبيعة الحال بنك يفتح أبوابه فى منتصف الليل!
انتابنى الاضطراب والارتباك لأننى لم يكن معى عملة إسبانية، ولاحظ موظفو المطار ارتباكى، فتعاونوا فيما بينهم على إقراضى بعض النقود، فلما جاء الصباح ذهبت إلى البنك واستبدلت النقود وسددت ما علىّ من دين لهؤلاء الموظفين!
وألوان الطعام فى إسبانيا لا تكاد تختلف عنها فى أى بلد من بلاد العالم، وقد حدث أن دعانی صديق هناك على أكلة وطنية وذهبت فى الموعد المحدد لتناول الغداء، وكانت المائدة تحوى ألواناً شتى من الطعام، ومن بينها: طبق كبير جعلنى مظهره لا أقترب منه وقد ألح علىّ الموجودون أن أكل منه شيئاً، ولكننى اعتذرت، وقلت لهم بصراحة إن منظره لا يروقنى، ولكنهم أصروا، فلما ذقت جانباً منه طاب لى مذاقه فالتهمت طعامى كله منه، وسألتهم عن هذا اللون من الطعام فأخبرونى أنه من يرقات الثعابين !!
ولا تسل عما حدث لمعدتى بعد ذلك، لولا أنهم أكدوا لى أنه من ثعابين الماء !
وكان يعمل معى فى الاستديو ممثل إسبانی.. وبين اللقطات جلسنا نستريح فقلت له: هل تعرف شيئاً عن طارق بن زیاد فاتح الأندلس؟ وكان رده : لا أعرف الفيلم الذى يمثل فيه!
وسألت آخر عن الآثار العربية التى نراها كثيراً فى إسبانيا وقد أنشأتها دولة الأمويين، فقال لى : هذه هندسة معمارية نحن أنشأناها ! وأهل إسبانيا ينكرون تاريخهم القديم ومن الغريب ما شاهدته فى أسماء الشوارع ونصفها باللغة العربية والنصف الآخر باللغة الإسبانية، وهم يخلدون أبطالهم الذين قاموا بأعمال مجيدة بنشر صورهم على أوراق العملة.
وشاهدت مصارعة الثيران فى حلقة فسيحة يتحلق حولها المشاهدون الذين يصيبهم لوثة عقلية عندما ينزل فيها بعض الرجال فى أزياء مختلفة الألوان، وفى أيديهم أدوات القتال كالخنجر وما إليه ! وبعضهم يركب جواداً وأمامهم ثور هائج الأعصاب لا يدرى يجرى وراء من، ولا وراء منْ مَنِ الذين يلاحقونه برايات حمراء تجعله يثور أكثر ويندفع بلا تروٍ فتناله طعنات الخناجر التى يقال إنها مغموسة فى المخدر الذى يُضعف قواه وتجعله يترنح أمام الضربات المتلاحقة الغادرة، حتى إذا تلقى ضربة مميتة راح ينظر إليهم مشدوهاً، وكان يمكن أن أصبح مصارعاً ناجحاً لو أن الثيران كلها من هذا الطراز!
« الكواكب» - 14 يونيو 1955
■ كنوز: نعيد نشر هذا المقال بمناسبة الذكرى 43 لرحيل أنتونى كوين العرب عنا فى 6 يونيو 1983.

كنوز| نازلى تتحدث لـ «المصور» عن قسوة فاروق الأول !
كنوز| بدايات هدى سلطان الصعبة فى ذكراها الـ 20
كنوز| العقاد فى مرآة العقاد !







