وحى القلم

السياسة والكرة

صالح الصالحى
صالح الصالحى


عندما تبدأ أخبار بطولة كأس العالم بترحيل حكم، وتفتيش منتخب، وفرض قيود على وفد رياضى وجماهيره، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بمن سيفوز بالكأس، بل هل اللعبة نفسها لا تزال قادرة على حماية حدودها من زحف السياسة؟.. هذا السؤال يفرض نفسه بقوة فى النسخة الحالية من كأس العالم.

 فقبل أن تتجه الأنظار إلى خطط المدربين وأقدام اللاعبين، انشغلت الجماهير بوقائع أثارت كثيراً من الجدل.

كلها أحداث لا يمكن قراءتها بمعزل عن المناخ السياسى الدولى الذى يحيط بالبطولة.

والحقيقة أن المشكلة لا تكمن فى كل واقعة على حدة، وإنما فى الصورة الكاملة التى ترسمها هذه الوقائع مجتمعة.. فالدولة المضيفة «الولايات المتحدة» ليست مجرد منظم للمنافسات، بل هى طرف سياسى له حساباته ومواقفه وتحالفاته وصراعاته..

وهنا ينشأ التناقض القديم بين منطق الرياضة ومنطق السياسة.. الأول يقوم على المساواة بين جميع المشاركين، والثانى يقوم على التمييز بين الأصدقاء والخصوم..

ومن هذه الزاوية تكتسب القضية الإيرانية دلالتها الخاصة.. فحين يصبح السؤال المطروح هو ما إذا كان النشيد الوطنى الإيرانى سيعزف بصورة طبيعية، وما إذا كان العلم الإيرانى سيرفع فوق الملاعب الأمريكية كما تقتضى لوائح الاتحاد الدولى، فإننا لا نكون أمام نقاش بروتوكولى، بل أمام اختبار لفكرة أساسية قامت عليها الرياضة العالمية منذ عقود، وهى أن الخلافات السياسية تتوقف عند حدود الملعب.

لقد كانت البطولات الكبرى دائماً وسيلة لتجميل صورة الدول المضيفة وإبراز قوتها الناعمة، لكن نجاحها كان مرهوناً بقدرتها على إقناع العالم بأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع.. أما حين تتسرب الاعتبارات السياسية إلى تفاصيل المشاركة الرياضية، فإن البطولة تخاطر بأهم ما تملكه، وهو شرعيتها المعنوية.

والأخطر من ذلك أن الجماهير لم تعد تنظر إلى كأس العالم باعتبارها مجرد منافسة رياضية، بل باعتبارها حدثاً عالمياً يجسد قيم العدالة والانفتاح والمساواة.. لذلك فإن أى شعور بوجود معايير مختلفة فى التعامل مع المنتخبات يترك أثراً يتجاوز حدود البطولة نفسها.

ربما تنتهى المباريات، ويتوج بطل جديد، ونطوى صفحة البطولة كما طويت عشرات البطولات السابقة، لكن الأسئلة التى أثيرت هذه المرة ستبقى حاضرة، هل مازالت كرة القدم أرضاً محايدة تلتقى فوقها الأمم رغم خلافاتها؟ أم أن السياسة نجحت أخيراً فى اقتحام آخر الساحات التى ظلت عصية على الاستقطاب؟.

ذلك هو التحدى الحقيقى الذى تواجهه كرة القدم اليوم، وذلك هو الاختبار الذى ستحكم نتائجه على هذه النسخة من كأس العالم أكثر مما سيحكم عليها أى نهائى أو أى كأس.