فى الصميم

نتنياهو وأمريكا.. واللعب على المكشوف

جـلال عـارف
جـلال عـارف


فى توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، خرج بنيامين نتنياهو بتصريحات لافتة يعلن فيها أنه يريد إيقاف المساعدات الأمريكية، التى تتلقاها إسرائيل ويصفها بأنها أشبه بـ«الإعانة الاجتماعية» ويقول إن الاقتصاد الإسرائيلى أصبح قادرًا على الاعتماد على ذاته.

المدهش فى الأمر أن الجميع سواء فى إسرائيل أو أمريكا لم يمنحوا تصريحات نتنياهو الأهمية المفترضة، ربما لأنهم يعرفون نتنياهو جيدًا، ويدركون أنه أكثر الناس علمًا بأن إسرائيل لا يمكن أن تعيش بدون دعم أمريكى كامل، وأن القصة لا تخص فقط الإعانة السنوية وقدرها ٣٫٨ مليار دولار، وإنما تتجاوزها إلى أضعاف ذلك من التسهيلات والتبرعات المالية والاعتمادات الاستثنائية، التى جعلت نائب الرئيس الأمريكى دى فانس يقول فى تصريحه الشهير إن على إسرائيل ألا تنسى أن ثلثى الأسلحة والذخائر، التى استخدمتها فى حروبها الأخيرة كانت أمريكية تصنيعًا وتمويلًا(!!).
فى إسرائيل يعرفون أنها الانتخابات التى ستجرى قبل ٢٧ أكتوبر، والتى تقول كل التوقعات إن نتنياهو وتحالفه يواجه فيها مأزقًا غير مسبوق. العلاقات مع أمريكا التى كانت دائمًا ورقة إيجابية مع نتنياهو أصبحت الآن سلاحًا فى يد المنافسين.. من ناحية فإنه يواجه اتهامًا بأنه أوصل العلاقات مع الحليف الأساسى إلى أسوأ حالاتها، ومن ناحية ثانية يواجه اتهامًا آخر بأنه أفقد إسرائيل قرارها الخاص ولم يعد أمامه - بسبب تكرار الفشل وسوء الإدارة - إلا تنفيذ أوامر ترامب وتلقى شتائمه.. يحاول نتنياهو بحديثه عن الاستغناء عن المعونة الأمريكية أن يبدو فى مظهر الباحث عن القرار المستقل حتى لو كان الجميع يعرف أنه «حديث انتخابات» يحتاج فيها إلى كل قدراته على المراوغة السياسية ولكل مخزونه من الخداع والمناورة، خاصة مع استطلاعات رأى تقول إن تحالفه اليمينى سيخسر الانتخابات، وإن منافسًا جديدًا على رئاسته الحكومة أصبح يتفوق عليه وهو رئيس الأركان الأسبق «إيزنكوت» رئيس حزب، «ياشار» الذى يتقدم بسرعة فى السباق الانتخابى.

على الجانب الأمريكى يبدو الوضع أكثر تعقيدًا بالنسبة لنتنياهو وللسياسات الإسرائيلية بأكملها. وكل قادة إسرائيل يدركون صحة ما قاله نائب الرئيس الأمريكى «دى فانس» من أن ترامب هو الحليف الأخير الباقى لإسرائيل، وإن المشكلة الحقيقية هى أن المصالح اختلفت، والأمريكيون - فى معظمهم - اكتشفوا الصورة الحقيقية لإسرائيل، التى أصبحت عبئًا لم يعد أحد قادرًا على تحمله. وأن الخلاف الآن ليس مع ترامب، بل مع المجتمع الأمريكى الذى ما زال يتابع محاولات نتنياهو لإفساد أى اتفاق لإنهاء الحروب، التى لا يتوقف عن إشعالها تاركًا لأمريكا تحمل تكاليفها والمشاركة فى المسئولية عنها.. فهل سيصدق أحد أن مجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية قرر فجأة الاستغناء عن دعم أمريكا؟!

يعرفون فى أمريكا أن اتفاق الدعم المالى لإسرائيل مازال ساريًا لعامين قادمين، وأن طلبات إسرائيل من السلاح لا تتوقف، وأن خشيتها الحقيقية ليست من توقف المعونة، بل من وقف الانحياز الأعمى من جانب أمريكا للكيان الصهيونى، الذى منحه كل الدعم ووفر له الحماية من الشرعية الدولية حتى الآن. ويعرفون فى أمريكا أن تصريحات نتنياهو بشأن الاستغناء عن المعونة الأمريكية هو حديث انتخابات داخل إسرائيل، ورسالة تضليل داخل أمريكا، وأنه فى حقيقة الأمر يخشى من استمرار انحسار نفوذ اللوبى الصهيونى فى أمريكا يعطيه ورقة إضافية لخداع الناخب الأمريكى والتلويح بأن إسرائيل لا تريد تحميله عبء الدفاع عنها. بينما فى الحقيقة فإن ما يريده نتنياهو هو تحويل المعونة المؤقتة إلى التزام ثابت باتفاق يجعل دعم إسرائيل وحمايتها مسئولية كل إدارة أمريكية قادمة، لكنه يعرف أن ذلك شبه مستحيل فى ظل المتغيرات السياسية، التى تمر بها أمريكا الآن.

فى خلفية كل ذلك.. اتهامات أمريكية لنتنياهو بتحريض أنصاره فى أمريكا ضد اتفاق إنهاء الحرب على إيران، وأسئلة على الجانب الإسرائيلى عن الصعود السريع لمنافس نتنياهو الجديد «إيزنكوت» وعن انشقاق محتمل داخل حزب نتنياهو «الليكود»، وترقب لموقف الرئيس الأمريكى الذى قال قبل ذلك إنه سيحدد موقفه بعد أن تظهر القائمة النهائية لأسماء المرشحين.

كان نتنياهو يتباهى دائمًا بأنه أفضل مَن يعرف أمريكا. مشكلته الكبرى الآن أن أمريكا أصبحت تعرفه، وأن اللعب أصبح على المكشوف.