نقطة فوق حرف ساخن

عمرو الخياط يكتب: ثورة شعب

عمرو الخياط
عمرو الخياط


ليست كل الثورات سواء، فهناك ثورات تولد من رحم الأزمات، وأخرى تصنعها المصالح، لكن ثورة ٣٠ يونيو كانت ثورة وطن استشعر الخطر، فقرر أن ينتصر لنفسه، وأن يستعيد دولته قبل أن تضيع. ولهذا ستظل واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا فى التاريخ المصرى الحديث؛ لأنها لم تكن مجرد تغيير فى المشهد السياسى، وإنما لحظة إنقاذ أعادت للدولة توازنها، وللمجتمع هويته، وللمصريين ثقتهم فى قدرتهم على صناعة المستقبل.

فى ذلك اليوم المشهود، لم يكن هناك قائد يدعو الجماهير إلى النزول، ولا حزب يحتكر المشهد، ولا فئة تزعم بأنها تتحدث باسم الشعب. كان البطل الحقيقى هو المصرى البسيط، الذى أدرك بفطرته أن وطنه يواجه اختبارًا مصيريًا، فخرج بالملايين ليعلن أن مصر أكبر من أن تُختزل فى جماعة، وأعظم من أن تُختطف لحساب مشروع لا يؤمن بفكرة الدولة الوطنية، ولا ينسجم مع طبيعة الشخصية المصرية، التى صاغتها آلاف السنين من الحضارة والتاريخ.

لقد جاءت ٣٠ يونيو لتؤكد أن الدولة المصرية ليست كيانًا سياسيًا عابرًا، بل حضارة ممتدة وجذور ضاربة فى أعماق الزمن، وأن الحفاظ عليها مسئولية شعب قبل أن يكون مسئولية مؤسسات. ولذلك كان الحراك الشعبى فى ذلك اليوم تعبيرًا عن وعى جمعى أدرك أن المعركة لم تكن على سلطة أو منصب، وإنما على بقاء الدولة نفسها، وعلى حماية هويتها الوطنية، وصون مؤسساتها من الانقسام، والحفاظ على نسيجها الاجتماعى، الذى تميز عبر العصور بالتسامح والاعتدال.

ولعل أعظم ما كشفته تلك الثورة أن وعى الشعوب هو الحصن الحقيقى للأوطان. فعندما شعر المصريون بأن وطنهم يواجه خطرًا غير مسبوق، تجاوزوا كل اختلاف، واجتمعوا على كلمة واحدة هى «مصر». ومن هنا اكتسبت ٣٠ يونيو مشروعيتها الحقيقية، ليس من الشعارات، وإنما من الإرادة الشعبية التى تجلت فى مشهد قل أن يتكرر، ليؤكد أن هذا الشعب يمتلك دائمًا القدرة على تصحيح المسار كلما انحرف، وعلى حماية دولته كلما تعرضت للخطر.

لقد حملت الثورة رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، مفادها أن الأوطان لا تُختطف إذا كان شعبها يقظًا، وأن الشرعية الحقيقية تنبع من إرادة المواطنين، وأن الدولة التى تستند إلى شعبها تبقى أقوى من كل المؤامرات، وأقدر على مواجهة التحديات، مهما تعاظمت الضغوط أو تبدلت الظروف.

واليوم، وبعد أعوام من تلك اللحظة الفارقة، تبدو ٣٠ يونيو أكثر حضورًا فى الوجدان الوطنى، لأنها لم تعد مجرد ذكرى نستعيدها، بل أصبحت عنوانًا لمعنى أعمق، هو أن الحفاظ على الوطن مسئولية مستمرة، وأن البناء لا يقل أهمية عن الإنقاذ، وأن الاصطفاف الوطنى والوعى الصادق هما الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة واستمرار مسيرتها نحو المستقبل.

ستظل ٣٠ يونيو صفحة مضيئة فى سجل الوطن، ليس لأنها غيرت نظامًا، وإنما لأنها أثبتت أن مصر، حين تستدعى أبناءها، يلبون النداء، وأن هذا الشعب، الذى صنع الحضارة وحمى الدولة عبر التاريخ، قادر دائمًا على أن يكتب بإرادته الحرة فصولًا جديدة من المجد، لتبقى مصر كما كانت وستظل دولة عصية على الانكسار، ووطنًا لا يعرف إلا طريق البقاء.