القرب من الناس ومعرفة أحوالهم دون التدخل فى الخصوصيات شىء جميل، والأجمل أن تكتشف من خلال ذلك صديقاً بسيط التكوين أو أستاذ فى فن السرد والحديث
قمر الزمان هذا ليس اسم امرأة، ولكنه مكان اكتشفت فيه عالماً، بل عوالم، بأشكال مختلفة، فيه من السحر الكثير، واكتسبت من خلاله وبالتواجد به، صداقات، وتعرفت على أشخاص ونماذج من الناس، واستمعت إلى نقاشات، وأجريت محاورات، وكسبت آراء زادت من معرفتى ورصيدى المعرفى والثقافى والاجتماعى الدنيوى. عرفت كثيرين: الفقير والغنى، الأستاذ والعامل وأصحاب الحرف، شاهدت من هم فى عمر الشباب والطفولة، ورأيت العجوز والكهل وصاحب المرض والاحتياجات الخاصة، رأيت كل هؤلاء وعايشتهم، وعشت تجارب البعض، عالم من الروعة، كوكتيل من عصير الحياة بحلوها ومرها.
فكرتنى قمر الزمان، وهى مقهى يحمل لفظ كافيتيريا، على بعد خطوات من محطة مترو ثكنات المعادى، أقصدها فى أغلب الأحيان بعد يوم عمل شاق، أو إذا أردت التفكير بعمق أو البحث عن فكرة أو عنوان لمقال أو ليوميات، مما تعودت على صياغتها لمحبوبتى الأخبار، أوهرباً من أثقال هم أو وجع، وجدت فيها الملاذ.
مع أنى لست من شاربى الشيشة، ولا أحب القهوة، وتكفينى كوباية الشاى فى الخمسينة، أو أى حاجة ساقعة، وكم كنا نستمتع فى مقتبل العمر بالجلوس إلى قهوة ريش الشهيرة بميدان طلعت حرب مجموعة من خريجى كلية الحقوق دفعة ١٩٧٤، أغلبهم صاروا مستشارين فيما بعد، وكم قابلنا من أدباء وفنانين ورسامين وشعراء كانت القهوة متنفساً لهم، وكم تكونت شخصياتنا بالتفاعل مع كل من عرفناهم من كل تلك الشخصيات، تفاعلنا معها وبها.. وأخذتنا ظروف الحياة، وانشغل كل منا بعمله وهموم دنياه، ومرت بنا السنين، واشتعل الرأس شيباً، لأجدنى أحن للجلوس إلى مقعد بالمقهى، بعد سنوات اعتزال، وإن اختلف المكان والزمان، والشكل.
القرب من الناس ومعرفة أحوالهم دون التدخل فى الخصوصيات شىء جميل، والأجمل أن تكتشف من خلال ذلك صديقاً أو اثنين أو أكثر، بسيط التكوين أو أستاذ فى فن السرد والحديث، جلستى دائماً ما تكون مع صديقى أحمد عبد الرحمن صاحب المكان، رجل ابن بلد، ولكنه شديد الحرص على حسن معاملة الناس، وعماله، وصديقى د.ضياء أستاذ الجامعة، وأخى سعيد مدير تحرير الأهرام، وينضم إلينا عم ياسين الخبير السياحى، وكل يوم نكتشف صديقاً نستفيد من خبرته أو رأيه الدنيوى، وهى نعمة لا يعيها إلا من يحس بها فى ذلك العالم الثرى، وبين زهر الطاولة، والدبش والشيش يك والدوسة، والمحبوسة والعادة، وقشاط الدومينو، والحمى والوردة، والولعة، والميزة وشاى الفتلة والعناب والقرفة والسحلب، يدور الوقت بين الأحاديث الفردية والجماعية، أو متابعة ماتش أو فيلم.
فى لقاء على كوباية شاى جذب انتباهى رجل هادئ عرفنى بنفسة، د.رضا عبد الرحمن، أستاذ الأجنة فى كلية العلوم جامعة أسيوط، وجذبنى حديثه، وهو يشرح مفهوم علم الأجنة، أو ما فى الأرحام، وما سمعته منه شىء خطير أصابنى بالذعر حقيقة، فاجأنى بأن أبحاثه التى يجريها على فئران التجارب أثبتت مدى تأثير الكحوليات والمواد البلاستيكية والبارفانات مهما كان ثمنها غالياً أو رخيصاً على الخصوبة التى قد تصل لحد تدمير الأحياء، إنساناً أو حيواناً أو نباتاً، أجرى الأبحاث على الجيل الأول من الفئران بعد حقنها بالمادة الفعالة للمواد الثلاثة، ولاحظ من النتائج وجود تأثير سلبى وقلة نسبة الخصوبة، وهو ما انتقل إلى الجيل الثانى، وأثبتت الأبحاث أنه إذا تعرضت الأم أو الأب للمؤثرات التى يسببها الحقن بالبلاستيك أو الكحوليات أو البرفانات، فإن الأعراض تتعدى الخصوبة إلى ما هو أخطر، وتبدأ بأمراض التوحد والمثلية وتخنث الذكور، بالإضافة إلى تشوه الأجنة، درس علمى متخصص زاد من معرفتى، ينضم إلينا صديق آخر صاحب شركة سياحة، كانت رحلته عائدة لتوها بالحجاج من السعودية، وصدمتنا الأسعار، ولم أجد إلا أن أقول حمداً لله على سلامتهم وسلامتك!، ويأتى التليفون من الزوجة بحثاً عن سائق للتوصيل، ويسرع أحمد ليقول: يلا ياعم ناصر، بكرة مع الدكتورة.
ما أجمل حكايات القهاوى.

كلام فى الدعم
حتمية التحول إلى الصرامة العلمية
لا .. للهيمنة








