«السوقية».. كلمة حمّالة أوجه، تتلوّن كالحرباء حسب موقعها، فهى تشير إلى الابتذال إذا وصفنا بها الأشخاص أو الألفاظ، بينما تُعبّر عن مفهوم اقتصادى رصين، عندما ترتبط مثلاً بمصطلح «القيمة السوقية» الذى انتهكنا رصانته، بعد أن سمحنا لمعايير السوق باختراق حدود سلوكياتنا وأنشطتنا.
الأدب أيضا يُمكن أن يكون «سوقيًا»، وبعيداً عن التفسيرات الأخلاقية، أوضح أننى أعنى الكتابة التى تعتمد على مبدأ العرض والطلب، فتلبّى احتياجات الجمهور، بمُنتج شديد السطحية لمجرد حصد المبيعات ولو على حساب القيمة الإبداعية، والنتيجة تتمثل فى ميلاد كتب بالمئات، مليئة بحكايات مسلية تجذب آلاف القراء، رغم أنها منزوعة الدسم الروائى! .
قد يندهش البعض حين اعترف بأننى لم أكُن ضد هذه النوعية من الأدب السوقى، لأنها تتيح للحروف فرصة اقتناص مساحات من الاهتمام، وسط العبث السائد على «تيك توك» وباقى وسائط السوشيال ميديا، كما أنها على الأقل تنحاز للكلمة، فى زخم طوفان صنّاع التفاهة، ومعظم أبناء جيلى أحبوا القراءة انطلاقاً من القصص الخفيفة، التى كانت مجرد درجة على سلم الاطلاع، انتقلنا بعدها إلى الأدب الحقيقى عربياً وعالمياً.
بدأت المشكلة من توقف القراء الشباب عند الدرجة الأولى للسلم، واعتقادهم أن هذه الكتابة هى منتهى الأدب، وتأكد اعتقادهم باحتلال نجومها مقاعد الصدارة فى الإعلام، وشقّ أعمال لهم الطريق إلى إحدى الشاشتين، والغريب أن «مُبدعى السوق» لم يكتفوا بما حققوه، بل بدأوا توجيه سهام النقد إلى الكتَاب الراسخين، بعد أن منحهم الإقبال الكثيف ثقة زائفة، أو ربما انتقاماً من عدم اعتراف الساحة الأدبية الحقيقية بمنتجاتهم السطحية، الجديد أن بعضهم انتقلوا مؤخراً إلى مقاعد المُحكّمين فى جوائز أدبية، بما يهدد بانتشار العدوى وفرض نمط معين من الكتابة يتوافق مع كتاباتهم الرخوة، ويجذب الطامعين فى الفوز بجائزة مادية ضخمة أو ضئيلة، لأن الإبداع لا يُسمن من جوع.
من هنا تحديداً يولد الخطر الحقيقى، فالسوقية تتمرد على مكانتها الطبيعية كدرجة أولى بالسلم، وتتغوّل لتتحول إلى «كتالوج» يرسّخ للغث.. ويحلّق به فى فضاء الانتشار!


إنجاز بيئى
الذكاء الاصطناعى .. لغة كل المهن
تشكُّل الهوية فى عصر الذكاء الاصطناعى







