القصاص العادل .. حبل عشماوى ينتظر مغتصب وخطف طفلة بالشرقية

صورة تعبرية
صورة تعبرية


الشرقية‭ ‬–‭ ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

في واحدة من القضايا التي هزت وجدان الأهالي داخل مركز بلبيس بمحافظة الشرقية، أصدرت محكمة جنايات الزقازيق حكمها في جريمة وُصفت بأنها «اعتداء بالغ على البراءة والإنسانية»، وبعد مرافعة طالبت فيها النيابة العامة بتوقيع أقصى العقوبة بحق المتهم الذي أقدم على خطف طفلة وإقصائها عن أعين ذويها وسلبها أعز ما تملك؛ فقضت المحكمة بحكمها الرادع بالتصديق على الرأي الشرعي لمفتي الديار المصرية، بمعاقبة الجاني بالإعدام شنقًا، بعد ثبوت إدانته بخطف الصغيرة المجني عليها ذات السبع سنوات، وهتك عرضها بالقوة.

الجريمة التي أثارت صدمة واسعة بين الأهالي منذ لحظة كشفها وحتى صدور الحكم النهائي فيها، بدأت في أحد أحياء مركز بلبيس، حيث تختلط البيوت الريفية البسيطة بحياة يومية هادئة لا تعرف كثيرًا من التعقيد، كانت الطفلة «ش. خ.» تعيش طفولتها في كنف أسرتها الصغيرة، طفلة في السابعة من عمرها، لا تحمل من الدنيا سوى حقيبة مدرسية صغيرة وأحلام طفولية عادية تدور حول اللعب والضحك والعودة سريعًا إلى البيت قبل الغروب، وقبل أن يدوي الصوت في المذياع معلنًا آذان المغرب، لم تكن الصغيرة تعرف أن هذا العالم البسيط، الذي يفترض أن يكون الأكثر أمانًا، يمكن أن ينقلب في لحظة إلى مسرح لجريمة تهز المنطقة بأكملها وتترك أثرًا لا يُمحى في ذاكرة الناس.

الواقعة

في يوم الواقعة، وبينما تخرج الطفلة كعادتها في محيط منزلها، تتحرك بخطوات خفيفة بين الأزقة القريبة رفقة شقيقها، يحملان الطعام لجارتهما، وما أن وصلا حتى كان في استقبالهما ابن السيدة «المتهم م. ع»27 عامًا، والذي أخذ في رؤيتها حينها بعين مختلفة تمامًا، عين لا ترى الطفولة كما يراها الآخرون، بل تراها فرصة لخداع محكم ونية مبيتة لا تمت للبراءة بصلة.

في ظرف دقائق تخمرت الفكرة في ذهن المتهم وشرع في تنفيذها بأن أخرج بعض النقود ووضعها في يد الطفل الصغير طالبًا منه أن يأتيه بسجائر من أحد المحال الموجودة في المنطقة، وما أن غادر الصغير المكان تاركًا أخته «ش»، حتى التفت المتهم إليها واقترب منها بهدوء، مستخدمًا كلمات بسيطة ومألوفة، تحمل في ظاهرها وعدًا بريئًا: «تيجي نروح الملاهي»؟!

في ذهن الطفلة، كانت كلمة «الملاهي» كافية لصناعة عالم كامل من الفرح، فلم تتردد كثيرًا، فالصغار في هذا العمر لا يقيسون الخطر بميزان البالغين، ولا يقرأون النوايا الخفية خلف الكلمات، وهكذا، وبثقة تلقائية نابعة من البراءة، استجابت لدعوته، لتبدأ لحظة التحول من يوم عادي إلى بداية مأساة مكتملة الأركان.

لم يكن اختيار المتهم عشوائيًا، بل كان قائمًا على إدراكه التام لطبيعة المكان وسهولة الحركة فيه، فابتعد بها تدريجيًا عن المناطق السكنية، متجهًا إلى أماكن أقل كثافة، حيث تقل الحركة وتختفي أعين المارة، في محاولة واضحة لتهيئة مسرح الجريمة بعيدًا عن أي احتمال لوجود شهود، ومع كل خطوة كانت الطفلة تبتعد عن محيط الأمان الذي اعتادت عليه، دون أن تدرك أن الطريق الذي تسير فيه ليس طريق أي ملاهى، بل طريقا مجهولا لا عودة منه كما كان يتخيله المجرم.

في تلك اللحظات، كانت الحياة اليومية في القرية تسير بشكل طبيعي؛ أطفال في الشوارع، بائعون ينادون على بضاعتهم، وأمهات يراقبن أبناءهن من الشرفات، بينما كانت الطفلة تُسحب بهدوء نحو عزلة كاملة، في مشهد لا يلفت الانتباه في ظاهره، لكنه كان يحمل في داخله جريمة تُكتب تفاصيلها في الخفاء.

التحقيقات لاحقًا كشفت أن المتهم استغل هذا التوقيت وهذا الهدوء، ليصل إلى مكان بعيد نسبيًا، حيث انعدمت الحركة تقريبًا، وهناك، في مساحة خالية من الشهود، وقعت الجريمة التي غيرت مسار حياة الطفلة بالكامل ونزعت عنها أعز ما تملك دون حولٍ منها أو قوة؛ إذ استغل المتهم صغر سن الطفلة وضعفها الجسدي وعدم قدرتها على المقاومة أو طلب النجدة، وارتكب جريمته بالقوة، في فعل لم يترك فقط أثرًا جسديًا، بل خلّف صدمة إنسانية عميقة امتدت إلى كل من سمع تفاصيلها.

القصاص

ما بعد الواقعة كان أشبه بزلزال صغير داخل القرية، فبمرور الساعات راح جسد الصغيرة يشكو آثار الآلام التي تحملتها ولاقَتها، قبل أن تسرد تفاصيل ما جرى لوالدتها حين لاحظت تألمها، ليتحول الأمر برُمته إلى مركز الشرطة وسجلات التحقيق التي فُتحت بإلقاء القبض على المتهم وفحص الطفلة المجني عليها طبيًا لاستبيان ما بها من إصابات وآثار اعتداء لا يقل وصفه عن كلمة «وحشي».

خلال التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة، ظهرت تفاصيل إضافية زادت من تعقيد الصورة؛ إذ تبين أن المتهم كان بحوزته مواد مخدرة تشمل «الحشيش والميثامفيتامين والأمفيتامين» بقصد التعاطي، وهو ما أضاف بُعدًا آخر لسلوكه، وربط بين الانحراف السلوكي وتعاطي المواد المخدرة وبين ارتكاب الجريمة.

القضية التي حملت رقم جنايات 2025 مركز شرطة بلبيس لسنة 2025، لم تكن مجرد واقعة جنائية عابرة، بل تحولت إلى ملف ثقيل أمام محكمة جنايات الزقازيق، برئاسة المستشار أمجد عبدالمجيد عوض، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين طارق الحلواني، ومصطفى حشيش، وأحمد حبيب.

خلال الجلسات، استمعت المحكمة إلى تفاصيل دقيقة حول الواقعة، بداية من لحظة الاستدراج وحتى تنفيذ الجريمة، مرورًا بتقارير الطب الشرعي والتحريات الأمنية.

الأدلة التي عُرضت أمام المحكمة شملت أقوال الشهود، وتحريات المباحث، والتقارير الفنية التي دعمت الاتهامات الموجهة إلى المتهم، إضافة إلى اعترافات مرتبطة بسياق الواقعة وظروفها، ومع تراكم هذه الأدلة، أصبح المشهد أمام هيئة المحكمة واضحًا من الناحية القانونية، حيث اكتملت أركان الجريمة من خطف واستدراج وهتك عرض بالقوة، لكن رغم وضوح الجانب القانوني، ظل الجانب الإنساني حاضرًا بقوة داخل قاعة المحكمة؛ طفلة في السابعة من عمرها، استُدرجت      بكلمة بسيطة، وانتهى بها الأمر ضحية لجريمة لم تكن قادرة على استيعابها أو مقاومتها، هذا التناقض بين البراءة المطلقة والعنف الكامل منح القضية ثقلًا خاصًا جعلها محل متابعة واهتمام.

ومع انتهاء المرافعات، دخلت المحكمة في مرحلة المداولة، قبل أن تصدر حكمها النهائي، بالتصديق على الرأي الشرعي لمفتي الديار المصرية، ومعاقبة المتهم بالإعدام شنقًا، لتكون هذه الكلمة هي الفصل الأخير في المسار القضائي للجريمة، وهكذا، بقيت القصة محفورة في ذاكرة المكان، ليس كملف جنائي انتهى بحكم، بل كحكاية عن ثمن الثقة حين تُستغل، وعن لحظة فقد فيها الأمان معناه، في مكان كان يفترض أن يكون الأكثر أمانًا لطفلة لم تتجاوز سبع سنوات من عمرها، بعث بها أهلها رفقة شقيقها لفعل الخير وانتهى الأمر بأشر الشرور وأبشعها..

اقرأ  أيضا: إحالة أوراق قاتل شقيقته الطفلة بالشرقية للمفتي

;