د. طارق فهمى
تشهد الساحة الحزبية فى إسرائيل حالة من السيولة السياسية، والتى تمثل كل القوى السياسية على مختلف درجاتها من اقصى اليمين الى يمين الوسط، واليمين بكل اصوله وروافده الكبيرة التى تطرح حضورها فى ادارة المشهد الانتخابى بعد التصويت المتتالى على حل الكنيست، الامر الذى سيدفع بقوة بكل الاطراف لمحاولة تأكيد حضورها فى المشهد الراهن خاصة، فالليكود على سبيل المثال يتحرك انطلاقا من كونه الحزب القائد القادر على التعامل مع التطورات الجارية والمحتملة وأنه قادر على التقدم وتحقيق النصر بصرف النظر عن لعبة الارقام ومؤشرات استطلاعات الرأى التى تصدرها الصحف ومراكز الابحاث الاستراتيجية.
ومن ثم فإن ليكود قد اعد عدته وانطلق الى مساحات ارحب اعتمادا على شخص نتنياهو فى المقام الاول، مع العمل على تعبيد الارض وتمهيدها لصعود جيل الوسط داخل الحزب بعد الانتخابات الداخلية التى تمت فى التكتل وحسمت صراعات كادت ان تطول نتنياهو وتذهب به الى الخروج التكتيكى وتشكيل كتلة مؤقتة وخوض الانتخابات من خلالها، الى ان حسم الامر، كما ان احزاب المعارضة الأخرى التى باتت تبحث عن موضع قدم اتضحت فى تحركات رئيس الوزراء الاسبق نفتالى بينت وزعيم المعارضة يائير لابيد للعمل معا من خلال قائمة موحدة ستكون هى المنافس الرئيسى لمواجهة تكتل ليكود، كما ان شخصيات مثل رئيس الاركان الاسبق رئيس ما يعرف بأزرق ابيض سوف يكون منافسا قويا، كما سيظل يائير جولان واحدا من الشخصيات البارزة فى خوض الانتخابات بقوة وبصورة مباشرة فى الفترة المقبلة، الامر الذى سيضع كثيرًا من التطورات المهمة فى الخريطة الانتخابية بكل رموزها، خاصة أن الاحزاب العربية التى ستنضوى فى قائمة موحدة للوصول الى اكبر قدر من المقاعد فى الكنيست تتحرك فى مساحات مهمة لاجتذاب الاصوات العربية فى دوائر نفوذها وهو ما سيعطى للانتخابات المقبلة حالة من الزخم غير المسبوق فى اطار محاولة للخروج من دائرة تكتل ليكود وشخص نتنياهو الذى ما زال يحاول رفع شعبيته من خلال استمرار العمل العسكرى المكثف فى الجنوب اللبنانى وفى غزة مع ترقب المشهد بين ايران والولايات المتحدة للتدخل عند الضرورة ومواجهة اية تطورات رئيسية فى مسار ما سيجرى ويحقق مصالح اسرائيل الكبرى.
فى اطار هذه الاحداث الجارية فى اسرائيل فإن السؤال هو: كيف يمكن التعامل مع التطورات الجارية والمرشحة للتصاعد فى اسرائيل؟ وهل من فرص للتدخل وتوجيه مسار هذه الانتخابات ومحاولة التأثير فى مزاج وتوجه الناخب الإسرائيلى المرتبك وغير القادر على اتخاذ قرار او التصويت لهذا الحزب او ذاك وهو ما يمكن استثماره؟
فالجمهور الاسرائيلى من واقع استطلاعات يرى ان تكتل ليكود هو القادر على الاستمرار والتماسك وتأمين الواقع الامنى الراهن على الاقل وعدم المغامرة بأن تتغير المعادلة الحزبية بما قد يدفع بمزيد من حالة عدم الاستقرار، الامر الذى يتطلب التحرك فى مساحات حزبية محددة خاصة ان الجمهور الاسرائيلى يرى ان المعارضة برموزها اضعف من ان تتولى فى ظل هذه الاجواء وبما قد يؤثر على استقرار الدولة وصمودها فى مواجهة ما يجرى من تطورات تتعلق بأمن اسرائيل بل وبوجودها، وهو ما يسوقه نتنياهو وزعماء تكتل الليكود للجمهور الاسرائيلى وأن المشهد الحزبى الراهن لا يدفع بالضرورة لتغييرات او حتى الذهاب الى خيار حكومة كل اسرائيل اى حكومة وحدة وطنية تضم كل الاطياف الاسرائيلية لمنع اى تطور قد يطرأ ويمس بقاء الدولة وهو الامر الذى يتطلب توحيد الصف وتوفير الدعم الكامل لنتنياهو لليكود بل وغلق ملف محاكمته بصورة كاملة دون انتظار من عفو رئاسى او تدخل من الرئيس ترامب.
فى هذا المناخ فإن تحرك الاحزاب العربية بخطة حقيقية متماسكة ورؤية متكاملة قد يدفع بالفعل لتحقيق مكاسب عليا للصوت العربى فى هذه الانتخابات ويقف امام مخطط نتنياهو فى شيطنة هذه الاحزاب العربية وربط تحركاتها بجماعة الاخوان المسلمين الارهابية وأن اسرائيل على يد هؤلاء العرب ستدخل مرحلة حاسمة من تاريخها، الامر الذى يتطلب من هذه الاحزاب العربية ومع مراعاة سابق تعاملاتها وانقساماتها التاريخية المعروفة ودروس الماضى القريب ان تتحرك عبر مسار استراتيجى وتكتيكى معا لكى تكون رمانة الميزان والمرجح لتشكيل حكومة جديدة تخرج من سطوة تكتل ليكود الى حكومة قد يكون لها دور فى التعامل مع التطورات الجارية ومع دول الجوار بصورة مختلفة، او على الاقل توقف المد الشيطانى الذى يتصاعد فى إسرائيل بصورة كبيرة ومن خلال استراتيجية تكريس المشهد الراهن بكل صوره مع تبنى خيار المواجهة والقوة فى التعامل من سوريا الى غزة ومن الجنوب اللبنانى ومخطط توسيع المنطقة العازلة وتجاوز الخطوط الحمراء الى احتمالات تمدد الخطر الاسرائيلى الى العراق وعلى طول الحدود السورية الاردنية، حيث لا تزال تحاول إسرائيل فرض الترتيبات الامنية بصورة لافتة استثمارا للمشهد الامريكى المرتبك مع التعامل والحالة الايرانية وترقبا لما يمكن ان يجرى فى الاقليم من تطورات مفصلية.
فى هذا الإطار يمكن ان تتحرك الاحزاب العربية لتغيير الواقع الراهن او تصويب مساره، كما يمكن تبنى حملة عربية تقودها شخصيات فلسطينية وعربية داخل الاراضى المحتلة وخارجها بل وفى الدوائر الامريكية والاوروبية للتأكيد على ضرورة التغيير ومحاولة استثمار بعض الحركات الصاعدة فى اسرائيل وعلى رأسها حركة قادة من اجل امن اسرائيل وغيرها من الحركات الاسرائيلية للتحرك بل ودعم مسارات حركتها فى مواجهة ما يجرى، إذ إن اغلب هذه الحركات باتت تطالب بتغيير مسار الدولة واتجاهاتها والوقوف امام مخطط نتنياهو والليكود فى خطف الدولة العبرية وإعادة إسرائيل لمسارها كدولة قد تقبل فى الاقليم وكى لا تواجه اسرائيل حالة من العزلة السياسية والمقاطعة التى قد تكلف اسرائيل الكثير.
إن الانفتاح على الآخر فى اسرائيل بصرف النظر عن ثقله السياسى مهم ومطلوب، وعدم التسليم بواقع اسرائيل الراهن لدولة لم تستكمل بعد الـ100 عام من عمرها فى الإقليم ولديها العقدة فى تجاوز العقود الثمانية، وبما يحقق تواجدا عربيا مؤثرا فى مواجهة هذا المد اليمينى المتطرف والذى ما زال ممسكا بقوة بزمام الامور فى الدولة وسيخوض معركته للنهاية فى مواجهة من يريد ان يزحزحه من المشهد او على الاقل يضعف من وجوده فى ادارة الاوضاع فى الدولة بصرف النظر عن بقاء نتنياهو او خروجه من المشهد.

لا إفادة فى الإعادة
هنا القاهرة
أخلاق الإخوان الرديئة «٢»







