خالد محمود يكتب : هوس يحاصر الإبداع

خالد محمود
خالد محمود


في عالم السياسة، قد تبدو نظريات المؤامرة جزءًا من طبيعة الصراع بين الدول والقوى المختلفة. وفي الاقتصاد، قد يجد البعض ما يبرر الحديث عن مصالح وشبكات نفوذ وتحالفات خفية. لكن اللافت في السنوات الأخيرة أن هذا المنطق انتقل بقوة إلى عالم الفن، حتى أصبح حاضرًا في كل نقاش تقريبًا. لم يعد هناك فيلم ينجح أو يفشل، أو أغنية تحظى بإعجاب البعض وتثير تحفظات آخرين، إلا وتجد من يفسر ما يحدث باعتباره جزءًا من “مؤامرة”.

وكأننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها النقد الفني كافيًا، ولا الاختلاف في الأذواق مقبولًا، ولا حتى قوانين السوق والعرض والطلب قادرة على تفسير ما يحدث. كل شيء أصبح يحتاج إلى “فاعل خفي” يقف وراءه.

هذه الحالة لا تعكس فقط أزمة في تلقي الفن، بل تكشف أيضا عن تراجع الثقة في الحقائق البسيطة، لصالح روايات أكثر إثارةً، حتى لو كانت أقل منطقًا.

من أحدث الأمثلة التي عكست هذه الظاهرة الجدل الذي صاحب أغنية “بحرية” التي جمعت شيرين عبد الوهاب ومحمد حماقي، من كلمات وألحان عزيز الشافعي، وتوزيع توما. الأغنية، كأي عمل غنائي، دخلت ساحة التقييم الطبيعي بين جمهور أحبها وآخر لم يجد فيها ما يميزها. بعض المستمعين رأى أنها أغنية رومانسية خفيفة ومناسبة لفصل الصيف، بينما اعتبرها آخرون أقل من مستوى النجمين.

في الظروف الطبيعية، كان يمكن أن يتوقف النقاش عند هذا الحد. لكن ما حدث أن البعض تجاوز فكرة الإعجاب أو عدم الإعجاب، ليتحول الحديث إلى وجود حملات منظمة للترويج للأغنية أو حملات مضادة لإسقاطها. فجأة لم يعد النجاح نجاحًا، ولم يعد النقد نقدًا، بل صار كل طرف مقتنعًا بأن هناك جهة ما تدير المشهد من خلف الستار.

هذه النظرة تلغي ببساطة حقيقة أن الفن قائم على التباين في التلقي. فالأغنية التي تعجب ملايين الأشخاص قد لا تعجب ملايين غيرهم، والعكس صحيح. لكن منطق “المؤامرة” لا يعترف بهذه الحقيقة البسيطة، لأنه يبحث دائمًا عن تفسير أكثر دراميةً.

النموذج الثاني ربما كان أكثر إثارة للجدل، ويتمثل في الجدل الذي أحاط بالفيلم الكوميدي “برشامة” بطولة هشام ماجد ومصطفى غريب وباسم سمرة، وإخراج خالد دياب. الفيلم في جوهره عمل كوميدي، قابل للنقد الفني مثل أي فيلم آخر. يمكن الاعتراض على مستواه أو أفكاره أو طريقة تقديمه، ويمكن الدفاع عنه أيضا من المنطلق نفسه.

لكن بعض الأصوات اختارت طريقًا مختلفًا، فبدلًا من مناقشة العمل باعتباره فيلمًا وعملا فنيًا، جرى تقديمه باعتباره جزءًا من “مؤامرة على الدين” أو “استهدافًا للقيم المجتمعية”. ولم يتوقف الأمر عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي أو بيانات ساخنة، بل وصل إلى المطالبة باستجوابات برلمانية ومواقف رسمية.

هنا يطرح السؤال نفسه: هل كل عمل فني يختلف معه البعض يتحول تلقائيًا إلى مشروع مؤامرة؟ وهل أصبح من المستحيل الفصل بين النقد الفني والاتهام الأيديولوجي؟

المشكلة أن هذا النوع من التفكير يضع الفن دائمًا في قفص الاتهام. فبدلًا من مناقشة المشهد أو الفكرة أو الحوار، يصبح المطلوب البحث عن النوايا الخفية. وبدلًا من سؤال “هل نجح الفيلم أم لا؟” يصبح السؤال: “من يقف وراء هذا الفيلم؟”.

ولعل المثال الأكثر وضوحًا على هيمنة خطاب المؤامرة يظهر في طريقة التعامل مع إيرادات الأفلام وعدد دور العرض.

على مدار عقود طويلة، كانت السينما تخضع لقواعد معروفة. الفيلم الذي يحقق إقبالًا جماهيريًا يحصل على شاشات أكثر، والفيلم الذي يتراجع الإقبال عليه تتقلص مساحته تدريجيًا لصالح أعمال أخرى. قد يبدو الأمر قاسيًا أحيانًا، لكنه جزء من منطق السوق والصناعة.

لكن في الفترات الأخيرة، أصبح أي تراجع في الإيرادات يفسر فورًا باعتباره نتيجة مؤامرة. وإذا انخفض عدد الشاشات المخصصة لفيلم معين، فالتفسير الجاهز هو وجود جهات تعمل ضده.

وقد ظهر هذا الخطاب بوضوح في الجدل والنقاشات التي صاحبت فيلم “أسد” بطولة محمد رمضان وإخراج محمد دياب. فمع كل حديث عن الإيرادات أو توزيع الشاشات، ظهرت روايات تتحدث عن استهداف الفيلم أو محاولة الحد من فرصه في المنافسة. وربما يكون من حق أي صانع عمل فني أن يدافع عن مشروعه، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كل نقد أو كل رقم أو كل قرار توزيع إلى دليل على مؤامرة كبرى.

والحقيقة أن سوق السينما أكثر تعقيدًا من هذه التفسيرات المبسطة. فعدد الشاشات يتأثر بعوامل كثيرة، منها حجم الإقبال، والعقود التجارية، والمنافسة بين الأفلام، وتوقيت العرض، وحتى طبيعة الموسم السينمائي نفسه. لكن نظرية المؤامرة تقدم دائمًا إجابةً أسهل وأكثر جاذبيةً: هناك من يتعمد الإضرار بالفيلم.

اللافت أن هذا المنطق لا يقتصر على الفنانين أو المنتجين فقط، بل يمتد إلى الجمهور أيضا. فالمشاهد أصبح أحيانًا أكثر استعدادًا لتصديق وجود مؤامرة من استعداده لتقبل فكرة أن العمل الذي يحبه لم يحقق النجاح المتوقع، أو أن العمل الذي يكرهه وجد جمهورًا واسعًا.

وربما يعود ذلك إلى طبيعة عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الروايات المثيرة أسرع من الحقائق البسيطة. فمن الأسهل أن يصدق البعض وجود خطة سرية لإسقاط فيلم، من أن يقتنعوا بأن الجمهور لم يتفاعل معه بالشكل الكافي. ومن الأسهل الحديث عن مؤامرة لتدمير الذوق العام، من الاعتراف بأن الأذواق نفسها تتغير من جيل إلى آخر.

المفارقة أن الفن، عبر تاريخه الطويل، عاش دائمًا على الاختلاف. أعظم الأفلام في التاريخ تعرضت لهجوم عند عرضها الأول، وأشهر الأغاني قوبلت بالرفض قبل أن تتحول إلى كلاسيكيات. ولم يكن أحد وقتها يبحث عن مؤامرة، بل كان النقاش يدور حول العمل نفسه.

أما اليوم، فقد أصبحت المؤامرة أحيانًا بديلًا عن النقد، ووسيلة للهروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية. فإذا فشل الفيلم فهناك مؤامرة، وإذا نجحت الأغنية فهناك مؤامرة، وإذا انتقد الجمهور فهناك حملة منظمة، وإذا دافع عن العمل فهناك لجان إلكترونية.

وسط هذا الضجيج، يضيع الفن نفسه. يضيع الحديث عن السيناريو والإخراج والتمثيل والموسيقى والصورة، لصالح البحث الدائم عن متهم مجهول.

ربما لا يحتاج الوسط الفني اليوم إلى مزيد من نظريات المؤامرة، وقدر أقل من الشك، بقدر ما يحتاج إلى استعادة قيمة الحوار والنقد والنقاش الموضوعي. فليس كل نجاح صناعةً خفيةً، وليس كل فشل نتيجة استهداف متعمد. وأحيانًا تكون الحقيقة، رغم بساطتها، أكثر إقناعًا من أكثر المؤامرات إثارةً: هناك أعمال جيدة ناجحة، وأخرى أقل جودةً لم تحقق النسبة نفسها، وهناك جمهور يختار ويتقبل ويرفض، وسوق يتفاعل، وفن يعيش ويستمر بالاختلاف لا بالاتهامات. وهذه هي القاعدة التي عاش عليها الفن منذ بدايته قبل أن تصبح “المؤامرة” بطلة المشهد.

اقرأ  أيضا:

;