أما بعد

الليل الصامت فى شرم الشيخ!

أحمد باشا
أحمد باشا


هناك مدن تصنعها الجغرافيا، ومدن تصنعها السياسة، ومدن تصنعها الرؤية، أما شرم الشيخ فقد جمعت بين الثلاثة معًا، فكانت واحدة من أنجح قصص التنمية المصرية الحديثة، وواحدة من العلامات المضيئة التى استطاعت أن تضع اسم مصر على خريطة السياحة العالمية بحروف من نور.

منذ أن استعادت مصر أرض سيناء بعد معركة التحرير، بدأت رحلة بناء مدينة لم تكن مجرد منتجع سياحى على شاطئ البحر الأحمر، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا، وعلى مدار عقود، تحولت شرم الشيخ من بقعة ساحلية هادئة إلى مدينة عالمية تستقبل ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات، وتستضيف القمم السياسية والمؤتمرات الدولية، حتى أصبحت عنوانًا للأمن والاستقرار والتنظيم الراقى.

تميزت المدينة بشواطئها الفريدة، ومياهها الصافية، وشعابها المرجانية التى تعد من الأجمل فى العالم، كما نجحت فى ترسيخ مكانتها كعاصمة لسياحة المؤتمرات والسلام. ومن فوق أرضها وُقّعت اتفاقيات تاريخية، وعُقدت لقاءات غيرت مسارات السياسة فى المنطقة، فأصبحت شرم الشيخ أكثر من مجرد مدينة سياحية؛ أصبحت رمزًا مصريًا يحمل دلالات سياسية وحضارية وإنسانية. لكن المدن العظيمة لا تتوقف عند ما حققته، بل تنظر دائمًا إلى ما يمكن أن تحققه.

ورغم كل ما شهدته شرم الشيخ من تطوير عمرانى وسياحى هائل، فإنها لا تزال بحاجة إلى عنصر أساسى فى معادلة المنافسة السياحية الحديثة، وهو الحياة الليلية المتكاملة Night Life، فالسائح المعاصر لا يبحث فقط عن البحر والشمس خلال ساعات النهار، بل يبحث أيضًا عن مدينة تنبض بالحياة بعد غروب الشمس.

فى كثير من المدن السياحية العالمية، يبدأ جزء كبير من النشاط الاقتصادى والترفيهى مع حلول المساء، الشوارع تتحول إلى مسارح مفتوحة، والساحات العامة تستضيف العروض الفنية والموسيقية، والمطاعم والمقاهى العالمية تصبح جزءًا من تجربة المدينة، بينما تتحول المهرجانات والحفلات إلى أدوات جذب سياحى لا تقل أهمية عن الشواطئ أو الفنادق.

أما فى شرم الشيخ، فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التى تبذلها الفنادق والمنتجعات، فإن النشاط الليلى ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على البرامج الترفيهية الداخلية، وهى جهود مقدرة لكنها لا تكفى وحدها لصناعة مدينة سياحية عالمية تعمل على مدار الساعة.

إن شرم الشيخ تستحق أن تكون منصة دائمة للحفلات الموسيقية الكبرى، ومهرجانات السينما الدولية، والكرنفالات الفنية والثقافية، والعروض العالمية التى تجذب الأجيال الجديدة من السائحين. كما تستحق أن تستقطب سلاسل المطاعم والعلامات الترفيهية الدولية التى أصبحت جزءًا من صناعة السياحة الحديثة فى العالم.

المنافسة اليوم لم تعد بين الشواطئ فقط، بل بين التجارب السياحية الكاملة، والمدن التى تنجح هى تلك التى تمنح زائرها سببًا للبقاء يومًا إضافيًا، وليلة إضافية، وإنفاقا إضافيًا.

لقد نجحت الدولة المصرية فى صناعة جوهرة سياحية استثنائية على شاطئ البحر الأحمر، وحان الوقت لإضافة اللمسة الأخيرة إلى هذه الجوهرة؛ أن نجعل من شرم الشيخ مدينة لا تكتفى بأن تبهر زوارها نهارًا، بل تأسرهم ليلًا أيضًا.