ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام

أدوات مائدة رخيصة الثمن
أدوات مائدة رخيصة الثمن


في ضربة أمنية استباقية نجحت الإدارة العامة لشرطة التموين في إحباط كارثة صحية وبيئية كبرى كانت في طريقها للتسلل إلى بيوت ومطابخ آلاف الأسر، فالضبطية الأخيرة التي شهدها مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية لم تكن مجرد قضية غش تجاري عابرة أو مجرد ضبط منشأة صناعية غير مرخصة، بل كانت حرفيًا عملية إنقاذ قومية للمواطنين من سموم صامتة ومواد محظورة تُصنع وتُباع تحت غطاء أدوات مائدة رخيصة الثمن، مستهدفة جيوب البسطاء وصحة أبنائهم.

 50 طنًا من مادة كيميائية خطيرة تُدعى بودرة كبس يوريا، بالإضافة إلى 2000 قطعة من أطباق وأدوات المائدة المغشوشة والمصنوعة من مواد محظورة كانت معدة كمنتج نهائي للبيع، و2000 قطعة بلاستيك فارغة كمستلزمات تعبئة، كلها أرقام فتحت ملفًا شائكًا طالما حذر منه الخبراء، هذا الملف يتعلق بخطورة تحويل مواد العزل الكهربائي والصناعات الثقيلة إلى أدوات مطبخ وأكواب يتناول منها الأطفال طعامهم وشرابهم اليومي، مما يحول الأكل في البيت من مصدر صحي إلى مصدر للمرض العضال.

وفقًا للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية واستمرارًا للجهود المكثفة لقطاع الأمن الاقتصادي في ملاحقة جرائم الغش والتدليس تمكنت الأجهزة الرقابية من ضبط المدير المسئول عن مصنع لإنتاج أدوات المائدة المنزلية كائن بدائرة مركز شرطة ميت غمر بالدقهلية.

هذا المصنع كما يقول بيان وزارة الداخلية كان يضرب بالقوانين والمواصفات القياسية عرض الحائط، فلم يكن يستخدم المواد الآمنة المصرح بها عالميًا في التعامل مع الأغذية، بل اعتمد بشكل كلي على بودرة كبس اليوريا المحظور استخدامها تمامًا في أي منتج يلامس الأطعمة والمشروبات لعدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي.

وكان المتهم يقوم بكبس هذه البودرة الكيميائية وتحويلها عبر آلات ومكابس إلى أطباق وأكواب تخدع الناظر ببريقها وزخرفتها، ثم يعبئها في مستلزمات فارغة تمهيدًا لطرحها في الأسواق والمحلات التجارية بقصد الغش والتدليس على جمهور المستهلكين وذلك لتحقيق أرباح مالية غير مشروعة على حساب صحة وسلامة المواطنين وقد اتخذت كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة وتولت النيابة العامة التحقيق.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى: أنه في أسواق البيع قد يبدو الطبق المغشوش المصنوع من هذه المادة مشابهًا تمامًا لأطباق الميلامين أو البورسلين أوالفخار، بل قد يتميز ببريق ناصع ووزن ثقيل يخدع المستهلك البسيط ويجعله يظن أنه اشترى منتجًا عالي الجودة بسعر لقطة لكن الحقيقة العلمية المستترة وراء هذا البريق تبدو صادمة ومرعبة.

بودرة كبس اليوريا أو ما تُعرف علميًا باسم راتنجات اليوريا فورمالدهيد هي مركب كيميائي بوليمري مخصص أساسًا وفي المقام الأول لصناعة الأدوات الكهروميكانيكية والكهربائية المنزلية مثل مفاتيح الإنارة الموجودة في الشقة ومقابس الحائط وعوازل الأسلاك وقطع غيار الأجهزة بالإضافة إلى صناعة أزرار الملابس وبعض أنواع الأثاث الخشبي المضغوط. 

ويتم اختيار هذه المادة في الصناعات الكهربائية لقدرتها العالية جدًا على تحمل التيار الكهربائي والحرارة ولأنها تتحول بعد الكبس الحراري إلى مادة صلبة للغاية غير قابلة لإعادة التشكيل، وهنا تكمن الجريمة الكبرى حيث تلجأ مصانع بير السلم وغير المرخصة إلى هذه البودرة كبديل رخيص جدا لخامة الميلامين النقي المصرح به صحيًا.

السبب الأساسي الذي يدفعهم لذلك هو أن الفارق في السعر بين طن الميلامين الأصلي المستورد وبين طن بودرة كبس اليوريا ضخم جدًا مما يجعل التجار الجشعون يلهثون وراء ذلك المنتج لخفض تكلفة الإنتاج إلى الربع وبيع هذه الأدوات القاتلة للمواطنين بأسعار رخيصة تغري محدودي الدخل في المقام الأول، محققين من وراء ذلك ثروات غير مشروعة من دماء وصحة الأبرياء.

قنابل موقوتة

يقول المهندس عمرو خلف خبير كيميائي: البوليمرات والمواد البلاستيكية: أن استخدام تلك المادة في الأكل والشرب جريمة كيميائية مكتملة الأركان فالكيمياء تفسر بوضوح أن الفارق الجوهري والفيصلي بين الميلامين الصحي الآمن وبين اليوريا المغشوشة هو عامل الاستقرار الكيميائي وثبات الروابط الجزيئية.

ويضيف؛ أن الميلامين النقي الأصلي مادة مستقرة للغاية، تقاوم الأحماض والحرارة والرطوبة، ولا تتفاعل مع الأطعمة مهما كانت درجتها، في المقابل فإن راتنجات اليوريا فورمالدهيد هي مواد شرهة للتحلل المائي وهذا يعني علميًا وكيميائيًا أن الروابط التي تم كبسها داخل المصنع ليست روابط نهائية مستقرة بل روابط ضعيفة ومؤقتة تتفكك فورا عند تعرضها لأي سوائل ساخنة أو رطوبة أو حتى عند ملامستها لأطعمة ذات طبيعة حمضية مثل صلصة الطماطم والخل والليمون والأكلات الحارة حيث أنه بمجرد حدوث هذا التلامس، تتحلل المادة وتعود إلى مكوناتها الغازية والسامة الأولى لتذوب مباشرة في وجبة الطعام التي يتناولها الإنسان دون أن يشعر بأي تغيير في الطعم أو اللون في المرات الأولى.

من الجانب الطبي والصحي يدق أطباء الباطنة وأمراض الكلى والأورام ناقوس الخطر الشديد محذرين من الاستهانة بوجود هذه الأواني المغشوشة داخل المطابخ واستخدامها في الحياة اليومية للأطفال والكبار/ وهنا يقول الدكتور سامح فتحي أستاذ الباطنة والمناعة: إن الخطورة الحقيقية الكامنة في هذه المادة هي أنها تسبب سمومًا تراكمية بطيئة المفعول لا تظهر آثارها المدمرة على جسد الإنسان فورًا بعد تناوله للوجبة، بل تتسلل وتتراكم في الأنسجة مع كل استخدام يومي مما يجعلها قنابل موقوتة تنفجر في صحة الإنسان بعد أشهر أو سنوات قليلة.

ويؤكد الدكتور سامح فتحي؛ أن مادة اليوريا فورمالدهيد عندما تتحلل بفعل حرارة الطعام فإنها تفرز مادة الفورمالدهيد الحرة وهي المادة الشهيرة الكاوية التي تُستخدم في تحنيط وحفظ الجثث في المعامل وعندما تدخل هذه المادة الكيميائية الشرسة إلى الجهاز الهضمي للإنسان عبر الطعام الملوث بها يقع العبء الأكبر والقاتل على عاتق الكليتين والكبد باعتبارهما الفلاتر الطبيعية المسئولية عن طرد السموم من الجسم.

ويضيف؛ أنه مع تكرار التعرض لهذه المادة تعجز خلايا الكلى عن التعامل مع هذه المركبات مما يؤدي سريعً إلى تدمير النسيج الكلوي والإصابة بالفشل الكلوي المزمن وتليف الكبد وهي الأمراض التي باتت تسجل نسبًا مرتفعة ومقلقة في الآونة الأخيرة بسبب انتشار مثل هذه المنتجات المغشوشة.

ويؤكد أستاذ الباطنة، أن منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لبحوث السرطان تصنف مادة الفورمالدهيد بشكل قاطع كمادة مسرطنة من الدرجة الأولى مؤكدين على أن استنشاق الأبخرة المتصاعدة من هذه الأدوات أثناء غسيلها بالماء الساخن أو ابتلاع جزيئاتها الذائبة مع المشروبات والأكل الساخن يعمل على تحفيز وتنشيط الخلايا السرطانية بشكل مباشر في الجهاز الهضمي والمريء والمعدة بالإضافة لتسببها في سرطانات الدم والليمفاومة مما يجعل من شراء طبق رخيص الثمن سببًا في دفع فاتورة باهظة ومأساوية من حياة أي فرد في المجتمع.

السؤال هنا: كيف نحمي أسرنا بعد هذه الضبطية الضخمة والتحذيرات العلمية والطبية الصارمة؟ حيث يصبح من الواجب على كل أسرة وكل أم توخي الحذر الشديد واليقظة التامة عند شراء الأدوات التي تستخدم في الأكل والابتعاد تماما عن العشوائية في الاختيار أو استرخاص تلك الأدوات وهنا يضع خبراء حماية المستهلك وسلامة الغذاء أربع نصائح ذهبية لحماية البيوت من هذه السموم؛ أولها الابتعاد تماما عن الباعة المتجولين  وتجنب شراء الأطباق الأكواب والملاعق من الأسواق العشوائية أو من على الأرصفة بأسعار رخيصة بشكل مبالغ فيه ولا يتماشى مع المنطق التجاري فالصحة أغلى من أي توفير وهمي.

ثانيا: التحقق الصارم من البيانات التجارية المدونة على المنتج؛ حيث يجب أن يحمل الطبق أو الكوب اسمًا واضحًا لمصنع معروف وله سمعة طيبة بالإضافة إلى وجود علامة الجودة ورقم الترخيص الصناعي المحلي أو الدولي بشكل بارز.

ثالثاً: اختبار الرائحة والحرارة حيث أن أدوات المائدة المغشوشة المصنوعة من بودرة كبس اليوريا تتميز بأنها إذا تعرضت لماء مغلي أو درجة حرارة عالية تصدر منها فورا رائحة كيميائية صعبة وكريهة تشبه رائحة النشادر أو الكبريت والغاز المحروق كما أن ألوانها وأشكالها تتغير وتبهت بسرعة وتظهر بها تشققات دقيقة بعكس الميلامين الأصلي الذي يظل محتفظاً بخصائصه ورائحته المحايدة.

رابعًا: البحث عن علامات الأمان العالمية وهي الرموز المحفورة في أسفل الآنية مثل شعار كأس وشوكة المتداخلين والذي يعني أن المادة آمنة تمامًا للملامسة الغذائية أو وجود رقم خمسة مكتوبًا داخل مثلث إعادة التدوير مما يضمن للمستهلك أن المنتج خضع للرقابة الصحية ومطابق للمواصفات القياسية.

لذلك إن نجاح شرطة التموين والتجارة الداخلية في ضبط هذه الشحنة الكبيرة التي تزن 50 طنًا من بودرة كبس اليوريا السامة يعكس بكل وضوح يقظة أمنية ورقابية رفيعة المستوى تحمي الأمن الغذائي والصحي للمجتمع في ظل محاولات البعض للتكسب غير المشروع. وتبقى هذه القضية بمثابة جرس إنذار دائم ومستمر لكل مستهلك يذكره بأن رخص ثمن السلعة المجهولة قد يكون هو الثمن الأغلى والأكثر مأساوية الذي يدفعه من صحته وصحة أطفاله مستقبلاً. 

اقرأ  أيضا: سحب منتجات العناية بالأظافر في الولايات المتحدة بسبب مواد مسرطنة محظورة

;