د. إبراهيم مجدي: الخرافة تعطل التفكير وتؤدي إلى الاستسلام النفسي| حوار

د. إبراهيم مجدى أستاذ الطب النفسى
د. إبراهيم مجدى أستاذ الطب النفسى


كشف الدكتور إبراهيم مجدي حسين، استشاري الطب النفسي، في حديثه لـ»أخبار الحوادث»، أن العلاقة بين الخرافة والحالة النفسية علاقة شديدة الترابط، موضحًا أن الإنسان كلما كان أكثر هشاشة وضعفًا واستسلامًا، أصبح أكثر قابلية لتصديق أي وهم يمنحه الأمل أو الإحساس بالنجاة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم طبيعة اندفاع البعض نحو الخرافة، حتى مهما بدا الوضع آمنًا في البداية، المهم، أن “ظاهرة السراب” في الصحراء هي التي باتت مسيطرة، وأن الشخص «العطشان» قد يرى انعكاس الضوء وكأنه ماء حقيقيًا، لأنه يتمنى بشدة وجود طوق نجاة ينقذه، وهو نفس ما يحدث نفسيًا مع ضحايا الدجل أو النصب، إذ يتم إقناعهم بأن هناك شفاءً سريعًا أو ثراءً سريعًا أو حلًا سحريًا لمشكلاتهم، وإلى نص الحوار

*في البداية.. كيف يمكن أن يؤدي الانخداع بالخرافة إلى ارتكاب الجريمة؟

الخرافة لا تدفع الإنسان فقط لتصديق الوهم، لكنها أحيانًا تعطل التفكير النقدي وتخلق حالة من الاستسلام النفسي، فيصبح الفرد أكثر قابلية للانقياد أو ارتكاب أفعال غير عقلانية، وبعض الجرائم المالية أو وقائع النصب تبدأ من هذا المنطلق، إقناع الضحية بأن هناك “قوة خفية” أو “فرصة استثنائية” ستغير حياته دون مجهود أو منطق، ومن ثم تبدأ مرحلة السقوط. 

*لماذا يلجأ بعض الأشخاص للعلاج الروحاني أو الشعوذة؟

غالبًا ما يلجأ الإنسان للخرافة عندما يشعر بالعجز أو فقدان السيطرة، خاصة في حالات المرض النفسي أو الأزمات الحياتية، وبعض الأشخاص يبحثون عن إجابات سريعة أو حلول تمنحهم شعورًا بالأمان، حتى لو كانت غير علمية، وكلما زادت الهشاشة النفسية أو ضعف الوعي، أصبح الشخص أكثر عرضة للاستغلال باسم العلاج الروحاني أو الشعوذة.

وبينما يطلب الطبيب تحاليل وفحوصات، أو يطلب المستثمر دراسة جدوى وخطة واضحة، يأتي المحتال ليبيع للناس حلمًا سريعًا دون مجهود أو منطق، وهنا يبدأ الاستغلال، لذلك، الخرافة لا تسرق أموال الناس فقط، لكنها تستغل خوفهم وضعفهم واحتياجهم للأمل. 

*هل هناك علاقة بين تصديق العلاجات المبتدعة والحالة النفسية؟

بالتأكيد، فبعض الأشخاص لديهم خوف شديد من المرض أو قلق مزمن يجعلهم يبحثون باستمرار عن “حل سحري” أو علاج خارق، كما أن التفكير العاطفي أحيانًا يتغلب على التفكير العلمي، خاصة مع الانتشار الكبير للمحتوى المضلل عبر السوشيال ميديا.

كما أن “العقل الجمعي” وفكرة “القطيع”، يلعبان دورًا كبيرًا في انتشار الخرافات، حيث يميل الناس إلى تصديق ما يصدقه المحيطون بهم، وهنا الطب النفسي يكشف مفهومًا يسمى “الضلالات المشتركة” أو Shared Delusion، وهو أن تتشارك مجموعة من الأشخاص أفكارًا ومعتقدات غير صحيحة ويتعاملوا معها كأنها حقيقة مطلقة.

قد نجد قرية كاملة تقتنع بأنها مسحورة، أو مجتمعًا كاملًا يصدق وجود مؤامرة أو عمل سفلي، أو مجموعة ما تصدق في نظام غذائي بعينه، وهنا يظهر الشخص المنتفع أو النصاب الذي يقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد القادر على تخليصهم. 

*كيف تتحول الخرافة إلى أداة للنصب؟

المحتال لا يبيع منتجًا فقط، بل يبيع الأمل والخوف معًا، فكرة “المستريح” أو الوعد بالربح السريع تعتمد نفسيًا على استغلال الطمع أو الحاجة أو اليأس الاقتصادي، مع خلق صورة ذهنية توحي بالثقة والنجاح والقدرة على تحقيق المعجزات.

*لماذا يقع بعض الأشخاص ضحايا لوعود السفر أو الوظائف الوهمية؟

كلما زاد الإحباط أو الشعور بانسداد الفرص، أصبح الإنسان أكثر قابلية لتصديق الوعود غير الواقعية، والمحتال غالبًا يستهدف الأشخاص الذين يعيشون ضغطًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا، ويقدم لهم “حلم النجاة” في صورة سفر أو وظيفة أو فرصة استثنائية.

ودعني أقول لك، النصاب يفهم جيدًا احتياجات الناس النفسية والإنسانية، ويستغل رغبتهم في الأمان أو الزواج أو الإنجاب أو الثراء أو النجاح السريع، والإنسان بطبيعته يبحث عن إشباع احتياجاته الأساسية وتحقيق ذاته، وهو ما يفسر انجذاب البعض لوعود الثراء السريع أو العلاج السحري أو الزواج السريع، أو السفر، أو الوظائف الوهمية. 

*هل توجد شخصيات أكثر قابلية لتصديق الشهادات أو الوعود الزائفة؟

نعم، هناك بعض الأنماط الشخصية التي تميل للتصديق السريع، خاصة الأشخاص الذين يبحثون عن الاعتراف الاجتماعي أو النجاح السريع أو يشعرون بالنقص مقارنة بالآخرين، كما أن ضعف التفكير النقدي والرغبة في الوصول السهل للمكانة الاجتماعية، قد يجعلان الفرد أكثر عرضة للخداع.

كما أن الوعود الوهمية تؤثر حتى على كيمياء المخ، حيث تؤدي إلى إفراز هرمونات مثل “الدوبامين”، المعروف بهرمون المكافأة، ما يمنح الشخص شعورًا بالحماس والرغبة والتعلق بالفكرة، وقد يدفعه إلى حالة تشبه الإدمان النفسي على الوهم أو الأمل السريع.

*ما دور الخرافة في تبرير السلوك غير القانوني؟

بعض الأفراد يستخدمون الخرافة كوسيلة لتخفيف الشعور بالذنب أو تبرير أفعالهم، من خلال الاعتقاد أن ما يفعلونه “قدر” أو “إشارة” أو نتيجة قوة خارجة عن إرادتهم، ما يقلل إحساسهم بالمسئولية الشخصية.

*هل تجعل الخرافة الفرد أكثر هشاشة أمام الضغط الجماعي؟

الشخص الذي يعتمد على التفكير الخرافي يكون غالبًا أكثر تأثرًا بالمجموعة وبالشائعات، لأن قراراته لا تعتمد بالكامل على المنطق أو الأدلة، لذلك قد ينجرف بسهولة وراء جماعات أو أفكار تدفعه لسلوكيات خطرة أو غير قانونية.

*كيف يقلل الوعي النفسي من استغلال الخرافة؟

كلما زاد الوعي النفسي والعلمي، زادت قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم، وهنا التثقيف النفسي يساعد على تعزيز التفكير النقدي وفهم المشاعر الإنسانية، ويقلل من الحاجة للبحث عن حلول سحرية أو تفسيرات غير منطقية.

*هل هناك علاقة بين الانغلاق الذهني وانتشار جرائم النصب؟

بالتأكيد، لأن المجتمعات التي ينتشر فيها الانغلاق الفكري وضعف التفكير النقدي، تكون أكثر عرضة للشائعات والخرافات وعمليات النصب، والمحتال ينجح عادة عندما يجد بيئة تستبدل السؤال والتفكير بالخوف أو الانبهار أو التسليم الكامل. 

اقرأ  أيضا: أمين الفتوى: الدجل والشعوذة حرام وتصديقها خطر على الدين والمجتمع

;