حمل بين ذراعيه ذاكرة بلاد النوبة، فقد خرج من عوده معزوفات وموسيقى تحكي تاريخا ممتدا وإرثا مستمرا.. لم يكن حمزة علاء الدين مجرد موسيقي يعزف على آلة العود، بل كان حالة إنسانية وفنية كاملة، حملت صوت الجنوب، وأغنيات ولدت على ضفاف النيل ثم وجدت طريقها إلى قاعات الموسيقى في الغرب.. هو واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يكونوا أبناء بيئتهم، بل جعلوا من تلك البيئة رسالة، ومن الموسيقى لغة عبور بين ضفتين.. ضفة النوبة وضفة العالم.
ولد حمزة في قلب الجنوب المصري، في فضاء نوبي شديد الارتباط بالنيل واللغة الشفوية والغناء اليومي الذي يرافق تفاصيل الحياة البسيطة..
درس حمزة الهندسة في جامعة القاهرة، وسار في طريق يبدو بعيدا عن الفن، لكنه كان يحمل بداخله مسارا آخر أكثر عمقا واتساعا. فالموسيقى لم تكن خيارا طارئا، بل كانت نداء داخليا ظل يتصاعد بهدوء حتى فرض حضوره الكامل.. ومع مرور الوقت، بدأ يتحول من مهندس إلى باحث عن صوت مختلف، صوت لا يشبه السائد ولا يكرر المألوف، بل يستحضر روحا كاملة من مكان بعيد يدعى النوبة.
عند الحديث عن تجربة حمزة علاء الدين، لا يمكن فصلها عن النوبة بوصفها جذرا وذاكرة ومصدر إلهام دائم.. فالموسيقى لديه لم تكن مجرد ألحان، بل كانت امتدادا طبيعيا لحياة يومية كانت تسمع قبل أن تقال في القرى النوبية.. كانت الأغنية وسيلة للتعبير عن الفرح والحزن والاحتفال والعمل والوداع، وكانت الإيقاعات تتشكل من تفاعل الإنسان مع النهر والأرض والطقس واللغة.
التحول الكبير في حياة حمزة علاء الدين لم يكن فقط انتقالا جغرافيا، بل كان انتقالا في مفهوم الموسيقى نفسها.. فحين بدأت موسيقاه تصل إلى خارج العالم العربي، لم تكن مجرد اكتشاف لصوت جديد، بل اكتشافا لثقافة كاملة تقدم نفسها عبر الفن، وفي الولايات المتحدة، وجد حمزة مساحة مختلفة تماما، حيث التقت موسيقاه بفضول الباحثين عن الأصوات غير التقليدية، وباهتمام الموسيقيين الذين رأوا في تجربته شكلا من الأصالة النادرة.
هناك، لم يتم التعامل معه كمجرد عازف شرقي، بل كصوت مستقل يحمل رؤية فنية خاصة.. وقد ساهم في هذا الانتشار تعاونه مع شركة الإنتاج الموسيقي الأمريكية فانداردريكوردز التي أصدرت له أعمالا ساعدت في تعريف الجمهور الغربي بموسيقاه، ومنها ألبومه الشهير موسيقى النوبة، ثم ألبوم إسكاليه.
كما شارك في مهرجان نيوبورك للموسيقى التراثية في الولايات المتحدة، وهو من أهم المهرجانات التي قدمت موسيقيين عالميين مثل بوب ديلان وجوان بايز، ما وضعه في سياق عالمي واسع.
وفي مسيرته الفنية، تأثر حمزة بعدد من الأسماء الموسيقية العالمية التي التقى معها روحيا وفنيا، مثل بوب ديلان، وجوان بايز، وفرقة جراتيفولديد حيث وجدوا في موسيقاه طابعا مختلفا يربط بين الشرق والغرب دون تصنع.
كما امتد تأثيره لاحقا إلى مجال الموسيقى التصويرية، حيث ارتبط اسمه بالمخرج الأمريكي فرانسيس فورد كوبولا، وشارك في أعمال موسيقية مرتبطة بأفلامه، ما عزز حضوره داخل صناعة السينما والموسيقى معا.
ما يميز تجربة حمزة أنه لم يسع إلى تغريب موسيقاه لتناسب الذوق الغربي، ولم يحاول في الوقت نفسه أن يغلقها داخل إطار محلي ضيق، بل اختار طريقا مغايرا هو أن يبقى أمينا لجذوره، وفي الوقت ذاته منفتحا على العالم.
هذا التوازن الصعب هو ما جعل موسيقاه قادرة على الاستمرار والتأثير، وفي تجربته الأكاديمية، عمل حمزة أستاذا للموسيقى العرقية في عدد من الجامعات الأمريكية، من بينها جامعة واشنطن في سانت لويس، وجامعة أوهايو، وجامعة تكساس في أوستن، حيث قدم محاضرات حول الموسيقى التقليدية ومقارنتها بين الثقافات.
كما حصل خلال إقامته في اليابان على فرصة بحثية لدراسة العلاقة بين آلة العود وآلة البيوا اليابانية، في إطار اهتمامه بالمشترك الإنساني بين الثقافات الموسيقية المختلفة.
لقد كان يرى في الموسيقى مساحة مشتركة بين البشر مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم، ومع مرور الوقت، أصبح حمزة علاء الدين رمزا للموسيقي الذي لا يكتفي بالأداء، بل يصنع معنى.
اقرأ أيضا: في عيد ميلاده.. العازف العالمي «حمزة علاء الدين» المجهول لدى المصريين
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»
عادل إمام .. حين صنع المسرح نجومية « الزعيم » !







