سميحة شتا
فى لحظة فلسطينية تبدو فيها الساحة السياسية أكثر انقسامًا واضطرابًا منذ سنوات، جاءت نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح لتكشف عن محاولة واضحة لإعادة ترتيب البيت الداخلى للحركة، وسط ضغوط الحرب على غزة، وتآكل شرعية النظام السياسي، وتصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس. وبينما تسعى فتح إلى تقديم المؤتمر بوصفه محطة تنظيمية تعكس «التجديد الديمقراطي»، فإن القراءة الأعمق للنتائج تشير إلى أن الحركة تخوض عمليًا معركة إعادة تنظيم الصفوف أكثر من خوضها عملية تحول سياسى شامل، وذلك وفق ما أوردته صحيفة جيروزاليم بوست.
المؤتمر الذى انعقد بالتزامن فى رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، وبمشاركة قاربت 95% بحسب بيانات حركة فتح الرسمية التى نقلتها وسائل إعلام فلسطينية، جاء بعد عشر سنوات على المؤتمر السابع، وفى ظل واقع فلسطينى مختلف جذريًا. فالحرب الإسرائيلية على غزة أعادت طرح أسئلة كبرى حول مستقبل السلطة الفلسطينية، ودور فتح، وإمكانية إعادة توحيد النظام السياسى الفلسطيني، فى وقت تتزايد فيه الضغوط العربية والدولية لإجراء إصلاحات داخل مؤسسات السلطة استعدادًا لأى ترتيبات تخص «اليوم التالي» فى غزة.
داخل هذا السياق، بدت نتائج انتخابات اللجنة المركزية بمثابة مرآة دقيقة لموازين القوى داخل الحركة، فقد تصدر الأسير مروان البرغوثى النتائج بحصوله على أعلى الأصوات، فى رسالة سياسية تعكس استمرار حضوره الرمزى داخل القاعدة الفتحاوية، رغم اعتقاله فى السجون الإسرائيلية منذ عام 2002، ولم يُقرأ فوز البرغوثى بوصفه نجاحًا انتخابيًا عاديًا، بل باعتباره تعبيرًا عن رغبة قطاع واسع داخل الحركة فى استعادة صورة فتح كحركة تحرر وطنى تمتلك خطابًا كفاحيًا، خصوصًا بعد سنوات من هيمنة الخطاب الإدارى والأمنى المرتبط بالسلطة الفلسطينية.
لكن فى المقابل، حملت النتائج صعودًا واضحًا للتيار الأمنى داخل الحركة، بعدما حل مدير جهاز المخابرات العامة ماجد فرج ثانيًا بفارق محدود عن البرغوثي، بينما احتفظ حسين الشيخ وجبريل الرجوب وتوفيق الطيراوى بمواقع متقدمة. هذا التوازن بين «الشرعية النضالية» التى يمثلها البرغوثي، و«النفوذ الأمنى والإداري» الذى يجسده فرج والشيخ والرجوب، يعكس محاولة فتح إنتاج معادلة داخلية تمنع الانفجار التنظيمى وتحافظ على تماسك الحركة خلال المرحلة الانتقالية المقبلة.
أكثر النتائج إثارة للجدل كان دخول ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، إلى اللجنة المركزية للمرة الأولى. هذه الخطوة أعادت بقوة ملف «التوريث السياسي» إلى واجهة النقاش الفلسطيني، خاصة أن ياسر عباس يُعرف أساسًا كرجل أعمال يمتلك شركات واستثمارات واسعة، وليس كقيادى تنظيمى تدرج فى أطر الحركة التقليدية. الناشط الفلسطينى سامر السنجلاوى كتب على منصة «إكس»، وفق ما نقلته جيروزاليم بوست، أن محاولة تحويل السياسة الفلسطينية إلى «إرث عائلي» تتناقض مع مزاج المجتمع الفلسطينى الذى يطالب بالتجديد والمساءلة بعد عقدين من غياب الانتخابات العامة. كما حذر من أن هذا المسار يقوض ثقة المجتمع الدولى فى النظام السياسى الفلسطينى فى لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى أكبر قدر ممكن من الشرعية السياسية.
فى المقابل، حاولت بعض القيادات الفتحاوية التقليل من دلالات صعود ياسر عباس، معتبرة أن حصوله على ترتيب متوسط داخل اللجنة المركزية لا يعنى وجود مشروع توريث واضح. غير أن مجرد دخوله إلى أعلى هيئة قيادية فى الحركة يعكس، وفق مراقبين تحدثوا لوسائل إعلام فلسطينية، رغبة داخل دوائر السلطة فى تأمين نفوذ العائلة سياسيًا خلال مرحلة ما بعد محمود عباس، خاصة فى ظل تقدمه فى العمر ودخول ملف الخلافة مرحلة أكثر حساسية.
ورغم أن المؤتمر عُقد تحت شعار «الصبر والصمود»، فإن كثيرين داخل فتح رأوا فى هذا الشعار تعبيرًا عن الأزمة أكثر من كونه برنامجًا سياسيًا للمستقبل، كما أشاروا إلى أن المؤتمر تجاهل أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل العلاقة مع إسرائيل، وطبيعة المشروع الوطنى الفلسطينى بعد الحرب على غزة، ومستقبل التنسيق الأمني، إضافة إلى قضايا الوحدة الوطنية والإصلاح الداخلي.
هذه الأسئلة تزداد تعقيدًا فى ظل استمرار الانقسام الفلسطينى بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث ما تزال حركة حماس تحتفظ بسيطرتها الكاملة على القطاع رغم الحرب الإسرائيلية المستمرة، وفق تقديرات إسرائيلية وتقارير إعلامية نقلتها قناة «كان» الرسمية الإسرائيلية. وفى الوقت الذى تحاول فيه فتح إعادة ترتيب مؤسساتها الداخلية، تبدو حماس هى الأخرى منشغلة بإعادة بناء هياكلها السياسية والعسكرية بعد الخسائر الضخمة التى تعرضت لها خلال الحرب.
وفى موازاة ذلك، كشفت الجولة الأولى من انتخابات رئيس المكتب السياسى لحماس عن انقسامات داخلية غير مسبوقة، بعدما فشل أى من المرشحين البارزين، خالد مشعل أو خليل الحية، فى حسم المنافسة داخل مجلس الشورى، نتيجة تصويت عدد من الأعضاء بأوراق فارغة، فى خطوة فسرتها مصادر من الحركة، باعتبارها تعبيرًا عن اعتراضات على بعض السياسات الحالية أو رغبة فى الدفع نحو قيادة جديدة أكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة.
ويعكس التنافس بين مشعل، الذى يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى إعادة تموضع سياسى أقل ارتباطًا بإيران، والحية المحسوب على تيار غزة والجناح العسكري، حجم التباينات الداخلية بشأن مستقبل الحركة وتحالفاتها الإقليمية بعد اغتيال عدد من أبرز قادتها، وفى مقدمتهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار وصالح العاروري.
ورغم الضربات الإسرائيلية المتواصلة واغتيال عدد من القيادات الميدانية، فإن الحركة لا تزال تحافظ على بنيتها التنظيمية الأساسية، بينما تشير تقديرات إسرائيلية وفلسطينية إلى أن حماس بدأت بالفعل ترتيبات داخلية لإعادة توزيع الأدوار القيادية تحسبًا لمرحلة ما بعد الحرب. ويعكس استمرار سيطرة الحركة على غزة، رغم حجم الدمار والضغط العسكري، حقيقة أن أى ترتيبات مستقبلية للقطاع لن تكون ممكنة دون التعامل مع وزن حماس السياسى والعسكرى على الأرض.
فى المقابل، تواجه السلطة الفلسطينية تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة تتعرض لضغوط أمريكية وعربية لإعادة هيكلة مؤسساتها وإظهار قدر من الإصلاح السياسي، ومن جهة أخرى تواجه أزمة شرعية داخلية بسبب غياب الانتخابات العامة منذ عام 2006، واستمرار اتهامات الفساد والجمود السياسي، ولهذا بدا المؤتمر الثامن لفتح محاولة لإعادة إنتاج النظام السياسى القائم بصورة أكثر تماسكًا، عبر دمج نفوذ المؤسسة الأمنية مع مراكز القوة الاقتصادية والتنظيمية.
لكن هذه المحاولة تصطدم بواقع فلسطينى متغير. فالحرب على غزة أعادت الاعتبار لخطاب المقاومة داخل الشارع الفلسطيني، بينما تتراجع شعبية النخب التقليدية المرتبطة بالسلطة. كما أن صعود شخصيات مثل مروان البرغوثى وزكريا الزبيدى داخل نتائج المؤتمر يعكس وجود مزاج داخلى يرفض الاكتفاء بإدارة السلطة تحت الاحتلال، ويبحث عن استعادة البعد الوطنى والكفاحى للحركة، وفق قراءات محللين فلسطينيين ونتائج التصويت نفسها.
لا تبدو نتائج مؤتمر فتح الثامن مجرد استحقاق تنظيمى داخلي، بل جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسى الفلسطينى كله. ففتح تحاول إعادة تنظيم صفوفها وتأمين انتقال هادئ للسلطة داخل الحركة، بينما تسعى حماس إلى تثبيت بقائها لاعبًا رئيسيًا رغم الحرب. وبين الطرفين، يبقى المشهد الفلسطينى معلقًا بين ضغوط الخارج وأزمات الداخل وسؤال الشرعية المؤجل منذ سنوات: من يملك حق تمثيل الفلسطينيين فى المرحلة المقبلة، وكيف يمكن إعادة بناء نظام سياسى قادر على مواجهة الاحتلال واستعادة الثقة الشعبية فى آن واحد؟.
الأمم المتحدة : الإبادة الجماعية استراتيجية إسرائيل فى غزة
3 أيام من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية بواشنطن
إيران: لن نسمح لـ«الطاقة الذرية» بتفتيش المنشآت النووية





