طهران.. التفـــاوض لا يعنـــــــى الاستســــــــلام

الرئيس الإيرانى أثناء استقباله لوزير الداخلية الباكستانى
الرئيس الإيرانى أثناء استقباله لوزير الداخلية الباكستانى


رضوى شاهبور

تتحرك المفاوضات بين واشنطن وطهران فى واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً، وسط تصاعد متزامن فى الخطاب العسكرى الإيرانى والتحركات الدبلوماسية الإقليمية، وفى قلب هذا المشهد برزت باكستان كوسيط نشط بين الطرفين، بعدما أجرى وزير الداخلية الباكستانى محسن نقوى زيارتين متتاليتين إلى طهران خلال أسبوع واحد، حاملًا رسائل ومقترحات متبادلة بين الجانبين، فى وقت لا تزال فيه ملفات التخصيب النووى والعقوبات ومضيق هرمز تشكل العقدة الأساسية فى أى تفاهم محتمل..

وزار نقوى طهران للمرة الثانية خلال أسبوع، حيث عقد لقاءات منفصلة مع الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، وقائد الحرس الثورى أحمد وحيدى، وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائى أن المفاوضات مع الولايات المتحدة تمر عبر وسطاء باكستانيين، مشيرًا إلى أن طهران تتمسك بـ«الحقوق لا المطالب»، وعلى رأسها رفع العقوبات الأمريكية.

وتبادل الطرفان خلال الأيام الماضية مسودات تفاوضية متباعدة بشكل واضح، فقد قدمت إيران مقترحاً من 14 نقطة، قبل أن ترد واشنطن بعد ثلاثة أيام بمقترح من 5 نقاط فقط، تضمن -بحسب وكالة فارس الإيرانية- عدم دفع تعويضات لإيران، إضافة إلى تسليم مخزون اليورانيوم عالى التخصيب للولايات المتحدة..

واعتبرت وسائل إعلام إيرانية أن الطرح الأمريكى يتجاوز الإطار النووى نحو محاولة لانتزاع تنازلات استراتيجية لم تحققها الضغوط العسكرية.. وفى السياق ذاته، عقد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى اجتماعاً جديداً مع نقوى بعد يومين فقط من تسليم باكستان أحدث رسالة أمريكية، وفق ما أفادت الوكالتان تسنيم وإسنا، فى مؤشر على استمرار القناة الباكستانية كخط اتصال رئيسى بين الطرفين..

وتزامنت هذه المفاوضات مع حديث متزايد عن زيارة مرتقبة لقائد الجيش الباكستانى عاصم منير إلى طهران، ولكنها لم تتحقق حتى الآن، رغم التوقعات بأنها لا تزال قائمة، خاصة مع تمديد زيارة وزير الداخلية الباكستانى، ويرجح أن زيارة قائد الجيش تبقى مرهونة بتقدم المباحثات بين الجانبين الباكستانى والإيرانى، وتقارب وجهات النظر حول النقاط الخلافية بين طهران وواشنطن..

ورغم استمرار المفاوضات، لا تزال نقاط الخلاف الأساسية قائمة، ونقلت رويترز عن مسئول إيرانى رفيع أن الفجوة بين طهران وواشنطن تقلصت مقارنة بالفترة الماضية، إلا أن ملف تخصيب اليورانيوم والسيطرة على مضيق هرمز ما زالا يمثلان العقبتين الأبرز..

وكشفت رويترز نقلاً عن مصدرين إيرانيين، أن المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئى أصدر أمرًا بـ«عدم إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من البلاد»، إذ يرى كبار المسئولين أن التخلى عنه سيجعل إيران أكثر عرضة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية مستقبلًا، غير أن أحد المصادر أشار إلى وجود «صيغ قابلة للتطبيق» لحل الأزمة، من بينها تخفيف تخصيب المخزون تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية..

وبينما تستمر المفاوضات خلف الكواليس، تحرص طهران على إظهار جاهزيتها الميدانية بصورة علنية، فقد شهدت العاصمة الإيرانية خلال الأيام الأخيرة استعراضات عسكرية متكررة، إلى جانب فعاليات جماهيرية ظهر فيها صاروخ «خيبر شكن» الباليستى بشكل بارز، وهو الصاروخ الذى استخدمته إيران سابقاً فى هجمات ضد إسرائيل، حيث أقامت الحكومة الإيرانية حفل زفاف جماعيًا فى طهران احتل فيه صاروخ «خيبر شكن» الباليستى بلونه البنفسجى مكانة بارزة على المنصة..

كما نظم عناصر من الحرس الثورى تدريبات ميدانية للمدنيين على استخدام الأسلحة الخفيفة، بالتزامن مع انتشار مواكب عسكرية فى شوارع طهران تضم مركبات مزودة برشاشات ثقيلة، وتحمل هذه التحركات رسائل داخلية وخارجية فى آن واحد، فى ظل التهديدات الأمريكية المتكررة بإمكانية العودة إلى الخيار العسكرى.

وفى تطور لافت، أعلنت هيئة إدارة الممرات المائية الإيرانية إنشاء منطقة سيطرة بحرية فى مضيق هرمز، وحددت نطاق إشرافها على حركة الملاحة، مشيرة إلى أن مرور السفن سيتطلب تنسيقًا مسبقًا معها، وتنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها رسالة مباشرة مرتبطة بأحد أكثر الملفات حساسية فى التفاوض الجارى مع واشنطن.

وتكشف التحركات الأخيرة أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تجاوزت مرحلة الرسائل التقليدية إلى اختبار سياسى وأمنى شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات النووية مع معادلات الردع الإقليمى والسيطرة البحرية، وبينما تواصل باكستان لعب دور الوسيط لتقريب المواقف، تبدو طهران حريصة على إدارة التفاوض من موقع القوة، عبر الجمع بين الدبلوماسية والاستعراض العسكرى، ومع بقاء القضايا الجوهرية دون حسم، يبقى مستقبل هذه المباحثات مفتوحًا على احتمالين هما تسوية مؤقتة تخفف التوتر، أو مواجهة جديدة تعيد المنطقة إلى حافة الانفجار.