تبقى أيام ذى الحجة نفحة ربانية عظيمة، وفرصة صادقة لمراجعة النفس والتقرب إلى الله، فطوبى لمن اغتنمها بقلب خاشع وعمل صالح ودعاء صادق
يُعتبر شهر ذى الحجة من أشهر الشهور الإسلامية، هو الأغر فى الأشهر الحرم فهو شهر الحج الأعظم وشهر الأحداث الكبرى فى تاريخ الإسلام التى تحمل فى طياتها عبق التاريخ وفضائل عظيمة، إلى جانب مناسكه التى تجمع قلوب وأرواح ملايين المسلمين حول العالم، تلك الشعيرة التى تؤكد لنا أن لا إله الا الله هو الحق وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة، تلك الظاهرة التى تُقلق الآخرين.
ولكن إلى جانب الأبعاد الدينية، فقد شهد هذا الشهر مجموعة من الأحداث التاريخية الهامة التى أسهمت فى تشكيل مسار الأمة الإسلامية، ومنها صلح الحديبية، فى السادس من ذى الحجة، السنة السادسة للهجرة، وقع النبى محمد صلى الله عليه وسلم مع قريش صلح الحديبية، وهو اتفاق هدنة بين الطرفين استمر لمدة عشرة أعوام، رغم تحفظات بعض الصحابة على شروط الصلح، إلا أنه فتح الأبواب أمام انتشار الإسلام بشكل سلمي، ومهد لفتح مكة لاحقًا دون قتال، فقد كان الظاهر من تلك الهدنة والصلح أنه غبن المسلمين واعتقد البعض منهم أنه استسلام دون مقابل.
وكذك حجة الوداع والخطاب الخالد، فقد كان للحج الذى أداه النبى صلى الله عليه وسلم فى العاشر من ذى الحجة، والمعروف بحجة الوداع، مكانة خاصة فى التاريخ الإسلامي، إذ ألقى فيه نبينا الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام خطبته الشهيرة التى وضح فيها حقوق الإنسان، المساواة، وأهمية التقوى كميزان للتفاضل بين الناس، هذه الخطبة التى وضعت أسساً صلبة للأمة الإسلامية فى قيمها وأخلاقياتها.
وبعد فتح مكة وأداء حجة الوداع، بدأ عصر جديد فى تاريخ الإسلام، حيث تحولت الدعوة من مرحلة الدعوة والتصدى إلى مرحلة البناء والتأسيس، فأصبح ذى الحجة علامة على بداية تأسيس الدولة الإسلامية القائمة على العدل والتقوى، التى امتدت لاحقاً لتشمل مناطق واسعة خارج الجزيرة العربية.
فقد شهد هذا الشهر آخر مناسك الحج التى أداها النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته، كما حمل بدايات تحولات كبيرة للأمة قبل أن ينتقل النبى الحبيب إلى جوار ربه فى السنة الحادية عشر للهجرة، ما يجعل هذا الشهر محطة مهمة فى التاريخ الإسلامي.
ورغم أن كثيرين يربطون شهر ذى الحجة فقط بموسم الحج وعيد الأضحى المبارك، إلا أن هذا الشهر ظل عبر التاريخ الإسلامى شاهدًا على لحظات فارقة صنعت ملامح الأمة ورسّخت مبادئها الكبرى، فكان شهرًا تتجلى فيه معانى الطاعة والوحدة والتضحية، كما شهد محطات سياسية ودعوية شكلت منعطفات مهمة فى تاريخ المسلمين.
ومن أعظم ما يميز هذا الشهر المبارك تلك المشاهد الإنسانية والإيمانية التى تتكرر كل عام، حين تتجه القلوب قبل الوجوه إلى بيت الله الحرام، فى مشهد تتلاشى فيه الفوارق بين الناس، فلا فرق بين غنى وفقير، ولا بين لون أو جنسية، الجميع يرتدون لباسًا واحدًا ويرددون نداءً واحدًا، فى صورة تجسد المعنى الحقيقى للمساواة التى جاء بها الإسلام.
كما ارتبطت الأيام العشر الأوائل من ذى الحجة بفضائل عظيمة، فقد أقسم الله بها فى كتابه الكريم لعظم مكانتها، وجعل فيها من الأجر والثواب ما يدفع المسلمين إلى الاجتهاد فى العبادة والعمل الصالح، لما تحمله هذه الأيام من نفحات إيمانية وروحانية خاصة.
ولعل ما يمنح هذا الشهر مكانته الاستثنائية أيضًا أنه يجمع بين عبادة الروح وسمو الأخلاق، فالأضحية ليست مجرد شعيرة تُؤدى، بل رسالة رحمة وتكافل وتراحم بين الناس، يتشارك فيها المسلمون مشاعر العطاء ومساندة المحتاجين، فتتحول المناسبة إلى حالة مجتمعية تسودها المودة وصلة الرحم.
وقد ظل ذى الحجة عبر العصور الإسلامية موسمًا للوحدة والاجتماع، حيث كانت قوافل الحجاج تأتى من مختلف بقاع الأرض، حاملة معها ثقافات الشعوب الإسلامية وعاداتها، فيتحول الحج إلى مؤتمر إنسانى وروحى تتلاقى فيه القلوب قبل الأجساد، وتتجدد فيه معانى الأخوة والسلام، ويذكرنا الحال بما كان عليه الحال أيام مصر المحروسة وكسوة الكعب وانتظار الجميع قدوم الحجيج المصرى بما يحمل من الخيرات والطيبات ليسود الفرح والأخوة.
وإذا كانت الأحداث التاريخية قد منحت هذا الشهر مكانة عظيمة فى سجل الحضارة الإسلامية، فإن قيمه الروحية والإنسانية ما زالت حتى اليوم تمنح المسلمين طاقة من الأمل والسكينة، وتذكرهم بأن قوة الأمة الحقيقية تكمن فى وحدتها وتمسكها بالقيم النبيلة من رحمة وعدل وتسامح.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







