«كيف تكتشف حقيقتك؟».. مشروعُ كتابٍ جديدٍ، يوشك صديق على الانتهاء من إنجازه. أدهشني مضمونه والطريقة التي يحددها للإجابة عن السؤال المحوري للموضوع. يشترط عليك المؤلف التخلص من كل المساحيق- التي تزين بها طلعتك- وتخلو بنفسك أمام مرآة، تحاورها بصدق، تلقي عليها أسئلة- قد ترفض أن تسمعها على الإطلاق- وإذا انتهيت، ارسم لنفسك صورة الكائن الذي يشبهك.
وخلال الجلسة التي طالت إلى قرب الفجر، تذكرتُ مقالات أستاذنا «أحمد الجندي»، التي كان يكتبها في صحيفة «الأخبار»، تحت عنوان «حوار معي»؛ هذه النافذة الفلسفية التي نحتاج إليها جميعًا، كلنا نقضي معظم أوقاتنا يجادل بعضنا بعضا، نثرثر في العمل، في البيت، في النادي، على المقاهي.. تقريبا «في كل الأماكن»، وننسى أهم من يلزم محاورته ومحاسبته.. «أنفسَنا»، التي تصبغ شخصيتك في عقول الآخرين.
والحديث مع النفس ليس من ضروب الجنون، إذ تعوَّدنا القول «بيكلم نفسه زي المجانين»؛ لأنه من البلاهة والجنون الحقيقي الاعتقاد أن كل شيء نفعله صواب، وأننا أتينا بما لم يأتِ به الأوائل.. يمكن أن تتوهم هذا، لكنك لن تستطيع أن تقنع غيرك بما تعتقده.. ومراجعة النفس ومحاسبتها من مسالك الأسوياء والصالحين؛ لأن في ذلك أول طريق النجاة، وإهماله يأخذك إلى مسالك المهالك.
هَبْ أنك طبَّقتَ الخطوات التي حددها- صديقي المؤلف- وتجردت من كل شيء تستخدمه لتظهر أفضل أمام الآخرين، سواء كانت هذه المُحَسّنات مادية أو معنوية، وألقيت على نفسك أسئلة من عينة «هل أنت جبان؟.. هل أنت شخص متسلّق، تأكل الحرام، تؤذي غيرك، متسلط، سيئ الخلق، أناني ومتضخم كَبِرميل فارغ؟.. إلى غيرها من مرادفات هذه «المعايب»، واكتشفت أن فيك ما فيك من النقائص.. تُرى، أي صورة سترسمها لتعبّر عن حقيقتك؟
الكمال لم يُعطَ لبشر، لكننا نهتدي بنور الصالحين، نسير على دربهم طمعًا في الوصول إلى ما وصلوا إليه، وعلى الطريق نتشبث بكرامتنا واعتزازنا بأنفسنا، والرغبة الصادقة في أن نكون في مقدمة الصفوف. النجاح هدفٌ سامٍ، والحفاظ عليه غايةٌ نبيلةٌ، لكن كل ذلك عبر طريق الفضيلة؛ لأنه مهما بدت صورتنا جميلة، فإننا نعلم حقيقتها جيدًا.. وبالتأكيد نكذب إذا قُلنا إنها لا تؤرق منامنا وتُعكّر علينا صفو الحياة.
نحن مَن نختار الطرق والدروب التي نسلكها، قاصدين تحقيق غايات- نظنها أنها النجاح المطلق- فإذا ما غرزنا في الأوحال، سنخرج في النهاية بمظهر مُخزٍ لا يقبله عاقل على نفسه، مهما كانت الملذات المؤقتة التي نتمتع بها.
وقديمًا، روى لي والدي- عليه رحمات الله ورضوانه- قصةً لرجلٍ حكيم تقول: «إن حكيمًا أراد أن يوصي ابنه الشاب، فطالبه إذا أراد أن يذهب إلى الخمّارة، فعليه أن يذهب إليها آخر الليل، وحين سأله ابنه عن السبب، أجابه بأنه سيرى السَّكَارى وهم يأتون بتصرفات مخزية- بعدما غاب وعيهم- سيخجل أن يأتي بها».. نحن في أيام مباركات، يقبل فيها ربنا توبة العُصاة. راجِع نفسك وأَصلِح ما أفسده عليك شيطانُك ونفسك وهواك، وإلا فإياك أن تقرأ كتاب صديقي عند صدوره، فقد تجد أنك ترسم لنفسك صورة مرعبة.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







