لبنان ــ إسرائيل.. جولة ثالثة بدون انفراجة

الجبهة الجنوبية اللبنانية
الجبهة الجنوبية اللبنانية


فى وقتٍ لا تزال فيه الجبهة الجنوبية اللبنانية تعيش على وقع الغارات والتوترات اليومية، اختُتمت فى العاصمة الأمريكية واشنطن أعمال الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، دون الإعلان عن اتفاق نهائى أو اختراق سياسى حاسم، لكن مع استمرار الاتصالات والمشاورات الأمنية والدبلوماسية برعاية أمريكية، فى محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله..

الجولة الجديدة جاءت فى ظل ظروف ميدانية وسياسية أكثر تعقيدًا من الجولات السابقة، مع تصاعد الضغوط الأمريكية للوصول إلى تفاهمات أمنية طويلة الأمد، مقابل استمرار التباعد الكبير بين مواقف بيروت وتل أبيب. ورغم انتهاء الاجتماعات الرسمية الخاصة بهذه الجولة، فإن مسار التفاوض نفسه لا يزال مفتوحًا، وسط حديث عن إمكانية استكمال المباحثات عبر قنوات سياسية وأمنية خلال الفترة المقبلة.

المفاوضات التى جرت برعاية أمريكية مباشرة لم تقتصر هذه المرة على ملفات التهدئة التقليدية، بل توسعت لتشمل ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بمستقبل الحدود الجنوبية، وانتشار الجيش اللبنانى، وآليات مراقبة وقف إطلاق النار، إضافة إلى ملف سلاح حزب الله الذى تصر إسرائيل على اعتباره القضية الأساسية فى أى اتفاق محتمل.

ودخل الوفد اللبنانى المفاوضات متمسكًا بعدة مطالب رئيسية، أبرزها الوقف الكامل للغارات الإسرائيلية والانسحاب من النقاط الحدودية المتنازع عليها، إلى جانب توفير ضمانات دولية تمنع تكرار الهجمات داخل الأراضى اللبنانية، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم الجنوبية التى تضررت بفعل المواجهات المستمرة منذ أشهر.

فى المقابل، تبنت إسرائيل موقفًا أكثر تشددًا، إذ ربطت أى اتفاق أمنى أو سياسى بضرورة إبعاد مقاتلى حزب الله عن الحدود الشمالية، مع طرح ترتيبات أمنية تضمن من وجهة نظرها منع تكرار الهجمات أو إعادة بناء البنية العسكرية للحزب فى الجنوب اللبنانى. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن رغبة حكومة بنيامين نتنياهو فى توسيع نطاق التفاهمات مستقبلًا لتشمل مسارات سياسية وأمنية أوسع، وهو ما يرفضه لبنان رسميًا حتى الآن..

وتزامنت المفاوضات مع استمرار التصعيد الميدانى، حيث شهد الجنوب اللبنانى غارات إسرائيلية متجددة وسقوط قتلى وجرحى، بينما أعلن الجيش الإسرائيلى تعرض قواته لهجمات على الحدود. هذا التزامن بين التفاوض والتصعيد عكس طبيعة المشهد المعقد، إذ باتت التطورات العسكرية تضغط بشكل مباشر على مسار المباحثات، وتؤثر على فرص تحقيق أى اختراق سياسى سريع.

ويظل حزب الله أحد أبرز العناصر المؤثرة داخل معادلة التفاوض الحالية، ليس فقط بوصفه طرفًا عسكريًا على الأرض، بل باعتباره فاعلًا سياسيًا داخل الحسابات اللبنانية والإقليمية. فالحزب يتعامل مع مسار المفاوضات من منطلق الحذر، معتبرًا أن أى ترتيبات أمنية فى الجنوب يجب ألا تتحول إلى محاولة لتقييد دوره أو تغيير قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات. وفى المقابل، ترى أطراف دولية وإسرائيلية أن أى اتفاق مستقبلى لن يكون قابلًا للاستمرار دون معالجة ملف وجوده العسكرى قرب الحدود، ما يجعله نقطة التقاء وخلاف فى آن واحد داخل أى تسوية محتملة.

ورغم الأجواء الدبلوماسية التى أحاطت بالجولة الثالثة، فإن النتائج العملية لا تزال محدودة حتى الآن، إذ لم تُسجل أى اختراقات حاسمة بشأن الملفات الخلافية الرئيسية، وعلى رأسها وقف إطلاق النار الدائم ومستقبل الوجود العسكرى لحزب الله جنوب لبنان.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن مجرد استمرار المفاوضات وعدم انهيارها يُعد بحد ذاته مؤشرًا على وجود رغبة دولية وإقليمية فى منع توسع المواجهة.

كما كشفت الجولة عن انخراط أمريكى أكبر فى إدارة الملف اللبنانى الإسرائيلى، عبر محاولات لفرض إطار أمنى طويل الأمد يحد من احتمالات اندلاع حرب شاملة على الحدود الشمالية لإسرائيل. كذلك، أظهرت المباحثات انتقال النقاش من مجرد احتواء التصعيد العسكرى إلى بحث ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، تشمل انتشار الجيش اللبنانى وآليات الرقابة الدولية ومستقبل قواعد الاشتباك فى الجنوب.

وفى المقابل، لم تُظهر الجولة حتى الآن أى مؤشرات حقيقية على تضييق فجوة الخلافات، سواء فيما يتعلق بمطلب إسرائيل إبعاد حزب الله عن الحدود، أو بإصرار لبنان على وقف الغارات الإسرائيلية والحصول على ضمانات دولية واضحة، ما يجعل نتائج الجولة أقرب إلى تثبيت مسار تفاوضى مستمر أكثر من كونها تسوية نهائية جاهزة.

ويرى محللون أن واشنطن تحاول استثمار هذه الجولة لإعادة رسم التوازنات الأمنية فى المنطقة، خاصة فى ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والضغوط الدولية المتزايدة لمنع فتح جبهات جديدة فى الشرق الأوسط. كما تعكس المفاوضات إدراكًا متبادلًا لدى مختلف الأطراف بأن استمرار التصعيد دون ضوابط قد يقود إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها لاحقًا.. ومع اختتام الجولة الثالثة رسميًا دون إعلان اتفاق واضح، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، فإما أن تنجح الوساطة الأمريكية فى تثبيت هدنة طويلة الأمد تمهد لاتفاق أوسع على الحدود الجنوبية، أو يستمر الوضع القائم مع خفض نسبى للتصعيد دون تسوية نهائية، أو يعود التصعيد الميدانى بقوة فى حال انهيار التفاهمات الحالية، وهو سيناريو قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.