العمل البرلمانى هو «عقد ثقة» بين النائب والمواطن ومسئولية ثقيلة أمام الله والوطن، قوامها الأساسى حماية حقوق أفراد المجتمع عبر صياغة قوانين تضمن العدالة والشفافية وإيصال الحق لأصحابه، وممارسة رقابة فاعلة وجادة تمنع أى تقصير من قبل السلطة التنفيذية، إلا أن الواقع الحالى ألقى بظلاله على هذا الدور؛ حيث وجد عضو البرلمان نفسه اليوم «مُعقب خدمات» فأصبح مثقلاً بمسئوليات خدمية وإجرائية لم تكن يوماً فى صلب اختصاصه الدستوري، تعمل على استنزاف طاقة النائب فى ملاحقة طلبات فردية وتفاصيل إدارية يومية، رغم مشروعيتها الإنسانية، يستهلك طاقة برلمانية ثمينة مخصصة فى الأصل لصياغة تشريعات تهم الملايين وترسم مسار الدولة المستقبلي، وعودة الحقوق لأصحابها.
فمقعد النائب تحت قبة البرلمان لم يُصمم ليكون جسراً للطلبات الإدارية أو مكتباً للوساطات، بل هو حصن للتشريع ورقيب على أداء السلطة التنفيذية، مهمته وضعها تحت سلطة الرقابة الدائمة وإلزامها بنصوص القانون، ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد يحتاج إلى وقفة مكاشفة جادة مع الذات؛ فقد باتت «بوصلة النائب» عرضة للتيه بين مسئولياته الدستورية الأصيلة وبين ضغوط واقعية أفرزها غياب المجالس المحلية، مما ألقى بظلال ثقيلة على الدور الرقابي، وجعل النائب «مُجبراً» على الانخراط فى تفاصيل خدمية هى فى جوهرها من صميم عمل المحليات.
إن الأصل الدستورى يضع النائب فى مقام «المحاسِب» لأداء الوزير، لا فى مقام الوقوف «طالباً» لمساعدة فى شأن خدمى بسيط، إن ما نراه من سعى للحصول على «توقيعات ورقية» أو «تأشيرات استثنائية» هو مسلك يحتاج منا جميعاً إلى مراجعة شاملة؛ فالمسئولية المجتمعية الحقيقية تقتضى الانتقال من ثقافة «الحل الفردي» التى تنتهى قيمته بتأشيرة عابرة لمواطن واحد، إلى ثقافة «الإصلاح الهيكلي» الذى يستفيد منه الجميع عبر قانون عادل وشامل، فبينما تحل «التأشيرة» أزمة فرد، فإن «القانون» يحل مشكلات الآلاف من المواطنين، ويضع المسئول التنفيذى أمام مسئولياته القانونية دون مواربة.
إن الرقابة على الحكومة هى «بوصلة تصحيحية» لضمان حقوق الناس ومقدراتهم؛ فحين نتمسك بحقوق المواطنين تحت قبة البرلمان، فنحن لا نؤدى دوراً خدمياً فحسب، بل نحمى أصلاً دستورياً راسخاً وهو حق الملكية الخاصة، وحين نطرح مقترحات لتمكين الشباب وتطوير الاقتصاد، فنحن لا نبحث عن مسكنات موضعية، بل نضع تشريعاً ينعش الاقتصاد المحلى ويخلق فرص عمل مستدامة، وهو ما يمثل ذروة الدور البرلمانى فى خدمة المجتمع وصناعة مستقبله.
ولكى يستقيم ميزان العمل، فإن الارتقاء بالأداء البرلمانى يتطلب منا تفعيل الأدوات المؤسسية، وعلى رأسها مكتب «التواصل السياسي» تحت قبة البرلمان، ليكون القناة الرسمية والشرعية الوحيدة لإيصال صوت المواطن ومتابعة طلباته مع الجهات التنفيذية من قبل النائب، مما يحفظ للنائب هيبته الرقابية واستقلاليته.
كما يجب مأسسة العلاقة مع الجهاز التنفيذى فى كل المحافظات بشكل أعمق؛ كأن يعقد المحافظون لقاءات شهرية دورية مع الأهالى بحضور نواب الدوائر، ليكون النقاش علنياً ومباشراً حول كل المشاكل والخدمات، مما يحرر النائب من قيد الملاحقات الفردية ويضعه فى مكانه الطبيعى كمراقب للخطط التنموية الكبرى.


د. أسامة بيومي يكتب الإنسان بين حضن الأم والذكاء الاصطناعي
ياسر عبد العزيز يكتب: أبوريدة.. وعقوبةُ الإحسان!
عدو هند






