قضية ورأى

حصاد الشراكة الاستراتيجية.. كيف تعبر مصر بوابة «مايو 2026» إلى قلب السوق الصينى؟

أحمد سلام
أحمد سلام


فى الوقت الذى تضىء فيه كل من القاهرة وبكين شعلة الاحتفال بمرور سبعين عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما (1956-2026)، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بالصين الجديدة، جاءت خطوة «المعاملة الجمركية الصفرية من بكين» لتكون أثمن هدية فى هذا الاحتفال التاريخى، وبرهاناً حياً على أن العلاقات التى بدأت باعتراف سياسى مصرى شجاع قبل سبعة عقود، قد نضجت اليوم لتتحول إلى تحالف اقتصادى وتنموى غير مسبوق، حيث يُعد تنفيذ هذا القرار مطلع مايو القادم ليس مجرد إجراء فنى، بل هو مشهد يجسد ذروة الحصاد لـ 12 عاماً من الشراكة الاستراتيجية الشاملة التى أرست قواعدها القيادة السياسية فى البلدين منذ عام 2014.


وانطلاقًا من معايشتى الميدانية وعلاقاتى الممتدة مع الصين على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا، وما لمسته عن قرب من شغف المستهلك الصينى بالمنتجات المصرية، أستطيع الجزم بأننا أمام لحظة فارقة؛ إذ باتت الفرصة مواتية لتعظيم استفادة هذه المنتجات من منصات كبرى مثل معرض الصين الدولى للاستيراد، ومعرض كانتون، ومعرض الصين والدول العربية، إلى جانب غيرها من المعارض الدولية ومنصات التجارة الإلكترونية. ويعزز ذلك ما نشهده من تزايد اهتمام المستهلك الصينى بالبحث عن «البرتقال المصرى»، الذى يتصدر الواردات، فضلًا عن السمعة التاريخية للمنسوجات القطنية والكتانية، وصولًا إلى منتجات مثل الفراولة والتمور والرمان، وهى جميعًا سلع تمتلك اليوم ميزة تنافسية كبيرة فى ظل الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية.


وتأتى هذه الخطوة تنفيذاً للمبادرة التاريخية التى أعلنها الرئيس الصينى شى جين بينغ، والتى تقضى بفتح الأسواق الصينية بشكل أحادى الجانب ومنح إعفاء جمركى شامل بنسبة 100% على كافة البنود الضريبية للدول الإفريقية المرتبطة بعلاقات دبلوماسية مع بكين، وفى مقدمتها مصر، وهو ما يُعد تحولاً نوعياً ينقلنا من مرحلة «الاستيراد» إلى «التصنيع والتصدير»، حيث تصبح المناطق الصناعية المشتركة، وفى مقدمتها منطقة «تيدا» بالسويس، منصات لضخ دماء جديدة فى عصب الاقتصاد الوطنى وبوابة استراتيجية تعبر منها المنتجات المصرية إلى سوقٍ يضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك، بوصفه أحد أكبر أسواق الطلب عالميًا .


كما تتطابق سياسة الرسوم الجمركية الصفرية تماماً مع أهداف «رؤية مصر 2030»، والتى تتمثل فى زيادة حجم الصادرات وترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمى للتبادل التجارى، الأمر الذى سيسهم فى تحقيق التنمية المتوازنة للتجارة الثنائية ومساعدة مصر فى جذب الاستثمار الأجنبى، ويعطى زخماً جديداً للعلاقات المصرية - الصينية للتقدم جنباً إلى جنب نحو التحديث، كما تشجع هذه السياسة المزيد من الشركات الصينية والأجنبية على فتح مصانع فى مصر وتصدير المنتجات إلى الصين، بما يزيد حصيلة النقد الأجنبى من الصادرات.


ومع ذلك، فإن هذه الفرصة تضع المصدرين المصريين أمام اختبار حقيقى عنوانه «الجودة والمنافسة»؛ فالسوق الصينى لا يقبل إلا بالمنتج المطابق لأعلى المعايير القياسية. وفى المقابل، تمضى الدولة المصرية بخطى حثيثة لتهيئة البيئة الداعمة لانطلاقة تصديرية كبرى، تواكب طموحها فى ترسيخ مكانتها كمركز لوجستى محورى فى المنطقة. ويبقى الرهان على قدرة العقول الصناعية الوطنية على استثمار هذا التوقيت الاستراتيجى، وتحويل ميزة «الجمارك الصفرية» إلى نتائج ملموسة تعزز مناعة الاقتصاد أمام التقلبات العالمية، وتدفع بشعار «صنع فى مصر» إلى قلب كل بيت صينى.

وفى ختام هذا المشهد الواعد، تبرز تساؤلات مشروعة: هل نحن مستعدون فعليًا للوفاء بمتطلبات الجودة الصارمة التى يفرضها السوق الصينى؟ وهل تمتلك صناعتنا الوطنية من المرونة والابتكار ما يؤهلها لمنافسة كبرى العلامات الدولية؟ وإلى أى مدى يمكن تحويل هذه الفرصة إلى طفرة مستدامة فى الصادرات، لا مجرد مكسب مؤقت؟ وهل تنجح منظومة الإنتاج والتسويق فى توحيد جهودها لاقتناص هذه اللحظة الفارقة؟
عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

المستشار الإعلامى المصرى الأسبق ببكين