اللواء رفيق رزق
أعادت أزمة مضيق هرمز فتح ملف شديد الحساسية يتعلق بقدرة الدول على حماية سلاسلها الصناعية من الاضطرابات الخارجية. فمع كل توتر فى هذا الممر الحيوى، تتعرض حركة المواد الخام والسلع الوسيطة لاهتزازات حادة، وهو ما كشف هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا بالنسبة لاقتصادات تعتمد على الاستيراد لتشغيل قطاعاتها الإنتاجية، كما هو الحال فى مصر.
يشير مفهوم توطين الصناعة إلى عملية استراتيجية تهدف إلى تعميق القاعدة الصناعية المحلية عبر زيادة المحتوى المحلى فى الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز مرونة الاقتصاد، أما الهدف الاستراتيجى من التوطين فهو تحقيق مستوى من الاكتفاء الذاتى الصناعى يسمح للدولة بالصمود أمام الأزمات الدولية، ويمنحها قدرة أكبر على حماية أمنها الاقتصادى.
ومع تصاعد الاضطرابات فى مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، وازدادت مدة العبور، ما انعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج المحلى، هذه الضغوط دفعت مصر إلى تسريع برامج التوطين، خصوصًا فى الصناعات الكيماوية والدوائية والهندسية، باعتبارها صناعات ترتبط مباشرة بالأمن القومى الصناعى، وتشكّل العمود الفقرى لسلاسل القيمة المحلية
هذا الشهر يمثّل مرحلة انتقالية من «تشجيع الصناعة» إلى «إعادة تشكيل الخريطة الصناعية»، عبر أدوات تشريعية واستثمارية وبنيوية متزامنة،ففى هذا الشهر تم تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لقاطرة للتوطين وتم افتتاح 9 مصانع جديدة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فى أبريل 2026،حجم الاستثمارات فى هذه المصانع بلغ نحو 182ــ 182.5 مليون دولار لتوفر فرص عمل مباشرة أكثر من 1300 فرصة عمل فى قطاعات الصناعات الهندسية والدوائية والنسيج والصناعات الكيماوية هذه التركيبة القطاعية تعكس توجهًا نحو صناعات متوسطة وعالية القيمة المضافة، وليس مجرد أنشطة تجميعية منخفضة التقنية.
فى قلب هذا التحول، تلعب التكنولوجيا والصناعات المتقدمة دورًا حاسمًا. فالتوطين لم يعد مجرد تصنيع محلى، بل أصبح عملية تعتمد على خطوط إنتاج ذكية، وأنظمة رقمية، وقدرات بشرية قادرة على التعامل مع تكنولوجيا عالية التعقيد، هذه العناصر تمنح الصناعة المصرية قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وتقلل من تأثير أى اضطراب فى الممرات البحرية.
وترتبط أزمة هرمز أيضًا بتحولات جيو صناعية عالمية تدفع الدول إلى تقصير سلاسل التوريد، وتوطين الصناعات الحساسة، وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة، وفى هذا المشهد، تبدو مصر فى موقع يسمح لها بتحويل الأزمة إلى فرصة، عبر بناء سلاسل قيمة محلية أكثر تماسكًا، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز الصناعات المتقدمة.
بهذا المعنى، يصبح توطين الصناعة ليس مجرد خيار اقتصادى، بل ضرورة استراتيجية لحماية الدولة من تقلبات عالم لا يستقر طويلًا.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







