محمد فايد
يشهد العالم تحوّلاً متسارعاً فى طبيعة التهديدات الجوية، خاصة فى ظل التحولات الجيوسياسية التى نشهدها، والانتشار الواسع للطائرات المسيرة، التى باتت تُستخدم فى النزاعات العسكرية بفعالية متزايدة، مما وضع أنظمة الدفاع الجوى التقليدية أمام اختبار غير مسبوق، وبينما كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة هى التهديد الأبرز سابقاً، باتت «المسيرات» الرخيصة والفعالة تشكل التحدى الأكبر للأمن القومى للدول.
ولعل أحد أكبر العوائق التى تواجه أنظمة الدفاع الجوى هو «الاختلال الاقتصادى»، فوفقاً لتقارير معهد «رويال يونايتد للخدمات الدفاعية»، فإن تكلفة صاروخ دفاع جوى من طراز «باتريوت» أو «إيريس- تى» قد تتجاوز ملايين الدولارات، بينما لا تتعدى تكلفة الطائرة المسيرة بضعة آلاف من الدولارات، ووفق ما ذكره محللون عسكريون «نحن نستخدم صواريخ بمليون دولار لإسقاط طائرات ورقية مزودة بمحركات، وهذا استنزاف استراتيجى لا يمكن استدامته على المدى الطويل».. هذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة أنظمة الدفاع الجوى التقليدية على التصدى لهذا النوع من التهديدات، خاصة فى ظل اختلاف خصائصه عن الطائرات والصواريخ التقليدية.
تعتمد الجيوش الحديثة الآن على استراتيجية «الدفاع الطبقى» لمواجهة هذا التهديد، وتتوزع الحلول وفقاً للمصادر التقنية إلى أولًا الأنظمة الحركية والتى تعتمد على المدافع الرشاشة السريعة والصواريخ قصيرة المدى، حيث أثبتت أنظمة مثل «جيبارد» الألمانية كفاءة عالية فى التصدى للمسيرات المنخفضة والبطيئة، نظراً لاعتمادها على قذائف رخيصة الثمن مقارنة بالصواريخ، وثانيًا الحرب الإلكترونية، والتى تعد الوسيلة الأكثر فعالية «غير مدمرة»، وتعمل هذه الأنظمة على التشويش من خلال قطع الصلة بين المسيرة ومشغلها أو نظام GPS، والاختطاف الإلكترونى، من خلال إرسال إشارات وهمية للطائرة لتضليل مسارها، وثالثًا أسلحة الطاقة الموجهة، ووفقاً لتقارير وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، يمثل الليزر عالى الطاقة، وموجات الميكروويف القوية، المستقبل الحقيقى، حيث تتميز هذه الأنظمة بـ«مخزن ذخيرة غير محدود»، وتكلفة طلقة لا تتجاوز بضعة دولارات وهى تكلفة الكهرباء فقط.
ولكن تكمن المعضلة الكبرى، حسب دراسات «مؤسسة راند» فى قدرة أنظمة الرادار على معالجة أهداف متعددة فى وقت واحد، ولكن «هجمات الأسراب» المصممة لإغراق الرادارات تجعل حتى أكثر الأنظمة تطوراً عاجزة عن تتبع وإسقاط كافة الأهداف، حيث تخترق بعض المسيرات الغطاء الدفاعى بعد استنفاد الذخيرة أو تشتيت الانتباه.
من جانبه، أكد اللواء أ.ح. أيمن عبدالمحسن، الخبير العسكرى، أن الحروب المعاصرة مرت بتحول جذرى وعميق أخرجها من إطارها التقليدى القائم على الدبابات والطيران الكلاسيكى إلى آفاق تكنولوجية جديدة، موضحاً أن التطور الهائل فى مجالات الذكاء الاصطناعى والحروب السيبرانية قد فرض واقعاً مختلفاً وقواعد قتال غير مسبوقة جعلت من الأسلحة غير التقليدية هى المرجح الكلى لنتائج الصراعات الحديثة.
وأضاف أن الطائرات المسيرة مثلت حجر الزاوية فى هذه النقلة النوعية بعد أن تطورت مهامها من مجرد المراقبة والاستطلاع لتصبح أسلحة هجومية متطورة قادرة على توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة فى عمق العدو، مشيرًا إلى أن هذه الطائرات تمنح الجيوش ميزات استراتيجية هائلة بفضل قدرتها على البقاء فى الجو لفترات طويلة وتتبع الأهداف وبث البيانات الحية لمراكز القيادة، فضلاً عن تفوقها من حيث انخفاض التكلفة مقارنة بالطيران الحربى التقليدى ودورها الفعال فى التشويش الإلكترونى وتوجيه نيران المدفعية.
وأشار «عبدالمحسن» فى سياق الحديث عن القدرات الإقليمية، إلى أن إيران باتت تمتلك قوة ضاربة فى هذا المجال بأسطول ضخم يصل إلى نحو 80 ألف طائرة مسيرة تتنوع بين الطرازات الاستطلاعية والانتحارية مثل شاهد وآرش، مؤكداً أن هذه الترسانة أثبتت جدارتها الميدانية سواء فى الساحة الروسية الأوكرانية أو فى مواجهة التحالف الأمريكى الإسرائيلى، حيث نجحت فى تشتيت الرادارات الأرضية وفتح ثغرات تضمن وصول الصواريخ إلى أهدافها بدقة تدميرية مرتفعة.
واختتم الخبير العسكرى بالتأكيد على أن مواجهة خطر هذه الطائرات يتطلب استراتيجيات دفاعية متكاملة تعتمد على أنظمة متعددة الطبقات تشمل التشويش لقطع الاتصال بالمشغلين، واستخدام الليزر، والبنادق الكهرومغناطيسية، والصواريخ الاعتراضية، لافتاً إلى أن المستقبل يتجه نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعى لتطوير مسيرات صائدة تلاحق طائرات العدو وتدمرها، معتبراً أن الهندسة العكسية لعبت دوراً محورياً فى تسريع امتلاك الأطراف المتنازعة لهذه التقنيات المتطورة.
وفى سياق متصل، أكد اللواء أركان حرب د. إبراهيم عثمان، الخبير الاستراتيجى، أن الطائرات المسيرة لم تعد مجرد إضافة تقنية عابرة فى الترسانات العسكرية، بل تحولت إلى واقع ميدانى فرض إعادة صياغة شاملة لموازين القوى والنظريات الدفاعية فى الحروب الحديثة، مما أسهم فى كسر احتكار التفوق العسكرى الذى هيمنت عليه دول بعينها لفترات طويلة.
وأضاف أن معايير القوة العسكرية فى العصر الراهن لم تعد تقتصر على التفوق العددى أو الكثافة النيرانية للأسلحة التقليدية كالدبابات والطائرات المقاتلة، بل توسعت لتشمل أبعاداً استراتيجية جديدة، منها قوة الكثافة التى تعتمد على تشغيل أسراب ضخمة من المسيرات منخفضة التكلفة لتشتيت وإرباك منظومات دفاع الخصم، وقوة الاستنزاف التى تجبر العدو على استهلاك صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لمواجهة طائرات زهيدة، مما يسبب إنهاكاً اقتصادياً كبيراً، بالإضافة إلى قوة المرونة الناتجة عن دمج الذكاء الاصطناعى الذى يمنح هذه الطائرات قدرة فائقة على التكيف والمناورة داخل مسرح العمليات.
وشدد الخبير الاستراتيجى على أن هذه التكنولوجيا تسببت فى تراجع مفهوم السرية العسكرية بعدما جعلت ساحات القتال مكشوفة تماماً، موضحًا أن هذه الطائرات تنجح فى نقل البيانات والصور الاستخباراتية فورياً إلى مراكز القيادة حتى لو تعرضت للإسقاط، مما يضمن كشف تحركات وأهداف العدو بدقة عالية، وأشار إلى أن القيمة الحقيقية للمسيرات تبرز عند توظيفها ضمن عمليات قتالية مركبة تتكامل مع أنظمة تسليح أخرى، حيث تعمل كعنصر تشتيت للدفاعات الجوية لتمهيد الطريق أمام الصواريخ الباليستية والمجنحة للوصول إلى غاياتها، مما يجعلها ركيزة أساسية فى المنظومات الاستراتيجية المعاصرة.
واختتم «عثمان» بالتأكيد على أن هذا الواقع الجديد يفرض على الدول ضرورة امتلاك قدرات تصنيعية محلية لضمان استدامة الإمداد العسكرى، مع العمل بالتوازى على ابتكار وسائل دفاعية متطورة لمواجهة هذا التهديد، تشمل استخدام المسيرات المضادة وتقنيات الليزر والمدافع الذكية، فضلاً عن تعزيز أدوات الحرب الإلكترونية لتعطيل وسائط التحكم والاتصال الخاصة بطائرات العدو.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







