أما بعد

رصاصة فى قلب الديمقراطية

أحمد باشا
أحمد باشا


فى لحظة بدت كأنها مقتطعة من فيلم سينمائى هوليوودى، دوى الرصاص مجددًا فى فضاء السياسة الأمريكية، مستهدفًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. لم تكن الحادثة -بقدر ما هى صادمة-طارئة على تاريخ طويل، كتبت بعض فصوله بمداد الدم، منذ اغتيال ابراهام لينكولن، مرورًا بـ «چون كينيدى»، وصولاً إلى محاولات اغتيال طالت رؤساء ومرشحين آخرين. إنها مفارقة أمريكية بامتياز. ديمقراطية راسخة، تتعايش على نحو مقلق مع عنف سياسى متجذر.


تقدم الولايات المتحدة نفسها بوصفها النموذج الأوضح للديمقراطية الليبرالية. دستور صلب، مؤسسات متوازنة، تداول سلمى للسلطة، وإعلام واسع الحرية. ومع ذلك، فإن هذا البناء المؤسسى لم ينجح فى اقتلاع جذور العنف السياسى، بل ربما عجز فى لحظات الاحتقان عن احتوائه. هنا تتبدى المفارقة الكبرى .وفرة القنوات السلمية لا تلغى نزوع بعض الأفراد إلى اختزال السياسة فى فوهة بندقية.


يمكن قراءة هذه الظاهرة عبر عدة مستويات. أولها، الطبيعة التكوينية للمجتمع الأمريكى ذاته؛ مجتمع متنوع الأعراق والهويات، تشكّل تاريخيًا عبر موجات هجرة متلاحقة، حملت معها صراعاتها، ومظالمها، وأحيانًا نزعاتها الراديكالية. هذا التنوع، الذى يمثل مصدر قوة حضارية، قد يتحول فى غياب التماسك الكافى إلى أرض خصبة للاستقطاب الحاد.


ثانيها، الثقافة السياسية التى تمجد الفردانية إلى حدها الأقصى. فى هذا السياق، قد يشعر «الفرد الغاضب» بأن صوته، رغم كل المنابر، غير مسموع، فيلجأ إلى فعل صادم يعيد به تعريف حضوره. ومن هنا، يصبح رأس السلطة «الرئيس» هدفًا رمزيًا، يجسد الدولة بكل تعقيداتها، ويختصرها فى شخص واحد.


ثالثها، تصاعد الاستقطاب الحزبى والإعلامى فى العقود الأخيرة، حيث تحولت المنافسة السياسية بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى من تنافس برامجى إلى صراع هوية حاد. هذا المناخ المشحون يخلق بيئة نفسية قابلة للاشتعال، حيث يُنظر إلى الخصم السياسى لا باعتباره منافسًا، بل تهديدًا وجوديًا.


ولا يمكن إغفال أثر السياسات الخارجية الأمريكية، التى جعلت من الولايات المتحدة لاعبًا مركزيًا فى صراعات عالمية متعددة. هذه السياسات «سواء اتُفق معها أو اختلف» أسهمت فى خلق حالة من العداء لدى بعض الأفراد أو الجماعات، ما ينعكس أحيانًا فى الداخل الأمريكى نفسه، بصورة عنف فردى أو رمزى.


إن محاولة اغتيال ترامب ليست مجرد حادث أمنى، بل جرس إنذار جديد يدق فى قلب التجربة الأمريكية. فهى تطرح سؤالًا جوهريا.هل تكفى قوة المؤسسات وحدها لضمان الاستقرار، أم أن هناك حاجة إلى مراجعة أعمق لخطاب الكراهية، وثقافة الاستقطاب، وشروط العدالة الاجتماعية؟


ربما تكمن الإجابة فى الاعتراف بأن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل هى أيضًا ثقافة مجتمعية قوامها قبول الاختلاف، ونبذ العنف، والإيمان بأن التغيير لا يُصنع بالرصاص، بل بصناديق الاقتراع.

وبينما تستمر الولايات المتحدة فى تقديم نفسها «كـواحة للحريات»، يبقى التحدى الحقيقى هو أن تُطفئ شعلة العنف الكامنة فى أطرافها، قبل أن تمتد إلى قلبها مرة أخرى.