فكرتى

عبد الوهاب أسعد الملايين

صفية مصطفى أمين
صفية مصطفى أمين


 بعد غدٍ يمر 35 عامًا على رحيل موسيقار الأجيال «محمد عبد الوهاب» الذى عشق الموسيقى، رغم نشأته فى بيئة دينية. بدأ مسيرته الفنية مغنيًا فى المسرح، ثم اعتمدته الإذاعة ملحنًا، ليتعاون مع كبار الفنانين، أبرزهم أم كلثوم، ويقدم ألحانًا وطنية خالدة مُدخلًا الآلات الغربية.

 كان أول فيلم غنائى له «الوردة البيضاء»، ثم أتبعه بخمسة أفلام أخرى قام ببطولتها تمثيلًا وغناء، ثم اشترك بالغناء فقط فى فيلمين أحدهما «غزل البنات» والآخر فيلم «منتهى الفرح» عام 1963. 

الموسيقار العظيم أسعدنا وأبكانا، أطربنا وأشجانا. ملأ حياتنا بالموسيقى والأنغام الحلوة بصوته الجميل، غنى لأجيال متعاقبة ولم يتخلف يومًا واحدًا. عندما كانت الموسيقى شرقية كان مطرب الملوك والأمراء وعندما أصبحت الموسيقى مصرية أصبح مطرب الشعب. كانت أذنه عجيبة لا تلتقط الأنغام فقط، بل تلتقط ذوق الجماهير. تتغير معه وتتطور معه وتبقى دائمًا قادرة أن تهزه من الأعماق!

كان عاشقًا للموسيقى إلى درجة الجنون. كانت حياته كلها موسيقى وأنغام وألحان. كان يجلس أحيانًا فى وسط الناس ويدندن. ينساهم وهم يتحدثون حوله. ترتفع همساته فوق ضوضائهم. كان أحيانًا يضع اللحن ثم يبحث عن كلمات تمشى مع اللحن.

كان يريد أن يتعلم فى كل مراحل حياته، لم يكن يتعلم الموسيقى فقط، بل كان يتعلم الأدب والسياسة. كان يتمسك بالقديم فى الموسيقى ويجدد، ويحافظ على روحنا الشرقية ثم يحلق بنا فى آفاق العالم.

ورغم اندماجه الكامل فى الموسيقى والفن، كان يهتم بالسياسة أيضًا ويهتز طربًا عندما يقرأ رأيًا يعجبه وكأنه يسمع جملة موسيقية جديدة. كان يتصل يوميًا بأصدقائه من كبار الصحفيين ليعرف آخر الأخبار ويتتبع أحدث التطورات. لا يكتفى بقراءة الصحف، بل يطوف بنفسه على إذاعات العالم يطارد الأنباء ويناقشها ويستنتج منها الأحداث المقبلة.

فكر مرة أن يرشح نفسه لعضوية مجلس النواب، وتردد.. لأنه رفض أن يرشحه أحد من الأحزاب .أراد أن يبقى مستقلًا. ومرت الأيام وتحققت أمنيته عندما عينه الرئيس السادات عضوًا فى مجلس الشورى، وحرص على حضور كل الجلسات. احتفظ طوال عمره باستقلاله ولم ينضم إلى حزب من الأحزاب.

وقد سأل صحفى عبد الوهاب مرة أيهما يفضل: أغانيه الجديدة أم أغانيه القديمة، فرد عبد الوهاب أفضّل أغانى المستقبل.. وهذا سبب تربُع عبد الوهاب على عرش الموسيقى لأكثر من سبعين عامًا. لم يعش فى الماضى، ولم يعش فى الحاضر وإنما عاش دائمًا  فى أحلام المستقبل. كان يرتعد مع كل لحن جديد، كأنه مطرب ناشئ، وظل دائمًا يعمل وهو تحت الصفر حتى وصل إلى القمة.. وبقى فوقها حتى وهو تحت التراب.