رسالة اليوم

هل أصبحت أزمات الطاقة والذكاء الاصطناعى موازين القوة التى تُعيد تشكيل العالم؟

د. طارق هلال
د. طارق هلال


لقد أثبتت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبح قضية أمن قومى.

ماذا لو لم تعد القوة تولد من فوهة المدفع، بل من لوحة شمسية، أو خوارزمية ذكاء اصطناعى،
أو ممر بحرى آمن؟

قد يبدو السؤال غريباً، لكن ما يشهده العالم اليوم يؤكد أن الحروب لم تعد تغير الخرائط العسكرية فقط، بل تعيد رسم خرائط الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. ومن يمتلك مفاتيح هذه الملفات، قد يمتلك النفوذ الأكبر فى النظام العالمى القادم.

لم تعد الحروب الحديثة تقاس بعدد الصواريخ التى تطلق، ولا بعدد المدن التى تدمر، بل بما تتركه من آثار عميقة على الاقتصاد العالمى، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وحتى مستقبل التكنولوجيا. ففى كل أزمة كبرى، لا يخسر الجميع بالقدر نفسه، ولا يخرج الجميع بالنتيجة نفسها. هناك من ينشغل بإدارة الأزمة، وهناك من يستثمرها لإعادة بناء قوته. ولهذا، فإن الحرب الأخيرة وما ارتبط بها من تهديدات لمضيق هرمز، كشفت أن العالم بدأ يدخل مرحلة جديدة، عنوانها: إعادة توزيع

مصادر القوة

لقد أثبتت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبح قضية أمن قومى. فمجرد التهديد بتعطل أحد أهم الممرات البحرية فى العالم كان كافياً لإرباك الأسواق العالمية، ورفع أسعار النفط، وزيادة معدلات التضخم، وإعادة حسابات الحكومات والبنوك المركزية.

وكانت دول جنوب شرق آسيا من أكثر المناطق تأثراً، لاعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز. إلا أن اللافت أن بعض هذه الدول لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها كارثة فقط، بل باعتبارها فرصة لتغيير نموذجها الاقتصادى. فشهدت الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وكمبوديا توسعاً متسارعاً فى استخدام الطاقة الشمسية، خاصة على مستوى المنازل والمنشآت الصغيرة، فى محاولة لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتعزيز أمنها الطاقى.

وهنا يظهر درس مهم، فالدول التى تستثمر فى الأزمات تتحول إلى دول أكثر قدرة على المنافسة، بينما تبقى الدول التى تكتفى بإدارة الأزمة أسيرة لتقلبات المستقبل.

وفى الوقت نفسه، تكشف التقارير الدولية أن العالم لا يشهد تحولاً فى الطاقة فقط، بل يعيش أيضاً ثورة هادئة يقودها الذكاء الاصطناعى، قد تكون أكثر تأثيراً من الثورة الرقمية السابقة.

فالإنترنت غير طريقة تواصل البشر وإدارة الأسواق، أما الذكاء الاصطناعى فيتجه إلى إعادة تشكيل المؤسسات نفسها. فهو لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح قادراً على دعم اتخاذ القرار، وتحسين جودة التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وتعزيز الإرشاد الزراعى، ورفع كفاءة الإدارة الحكومية.

وقد أظهرت تجارب فى عدد من الدول النامية أن استخدام الذكاء الاصطناعى أسهم فى تحسين نتائج التعليم، ورفع كفاءة الخدمات الصحية، وزيادة الإنتاج الزراعى، وهو ما يؤكد أن امتلاك التكنولوجيا أصبح أحد أهم عناصر القوة الوطنية.

لكن فى المقابل، لا ينبغى النظر إلى الذكاء الاصطناعى باعتباره حلاً سحرياً لكل المشكلات. فنجاحه يظل مرتبطاً بوجود مؤسسات قوية، وبنية تحتية متطورة، وكوادر بشرية مؤهلة، وسياسات عامة قادرة على توظيف التكنولوجيا فى خدمة التنمية، لا مجرد استيرادها. أما اقتصادياً، فإن العالم يقف اليوم أمام معادلة معقدة. فارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية، بينما تباطأت معدلات النمو فى عدد من الاقتصادات الكبرى. وأصبحت البنوك المركزية تواجه خياراً صعباً بين مكافحة التضخم أو دعم النمو، فى ظل استمرار حالة عدم
اليقين الجيوسياسى

وفى الوقت ذاته، بدأت خريطة التجارة العالمية تتغير بصورة متسارعة، مع توسع الاتفاقيات الاقتصادية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وسعى الدول إلى تقليل الاعتماد على الممرات والمصادر التى قد تتعرض للاضطراب.
كل ذلك يؤكد أن العالم لا يعيش أزمة مؤقتة، بل يمر بمرحلة انتقالية تعيد تعريف مفهوم القوة ذاته. فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو الاحتياطيات المالية، وإنما بقدرة الدولة على تنويع مصادر الطاقة، وتوطين التكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، والاستثمار في المعرفة والابتكار.

إن الدرس الأهم الذى تكشفه هذه التطورات هو أن المستقبل لن يكون للأكثر امتلاكاً للموارد الطبيعية فقط، بل للأكثر قدرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والمخاطر إلى أدوات للنمو.

لقد أصبح أمن الطاقة، والذكاء الاصطناعى، والمرونة الاقتصادية، أضلاع مثلث القوة الجديد. ومن ينجح في الجمع بينها، سيكون الأقدر على حماية مصالحه، وتعزيز مكانته، وصناعة مستقبله فى عالم تتغير موازينه بوتيرة غير مسبوقة.

وفى النهاية: لن تكتب خرائط النفوذ فى العقود القادمة بحقول النفط وحدها، ولا بعدد حاملات الطائرات فقط، بل بعدد محطات الطاقة النظيفة، ومراكز البيانات، والعقول القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي. والسؤال الذى سيحدد مكان كل دولة فى النظام العالمى الجديد ليس: كم تملك من الموارد؟ بل: كم تملك من القدرة على تحويل الأزمات إلى قوة، والتكنولوجيا إلى سيادة، والمستقبل إلى واقع؟