الظاهرة المنسية في حروب الشرق الأوسط (1)  كيف تخلق الصراعات بيئة محفزة للإرهاب؟

منى قشطة عضو مجلس النواب المصري، وباحثة متخصصة في شؤون الإرهاب.
منى قشطة عضو مجلس النواب المصري، وباحثة متخصصة في شؤون الإرهاب.


في ظل حالة الانشغال الإقليمي والدولي بالحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، ينصرف معظم الاهتمام إلى تغطية أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية، سواء على مستوى التغطيات الإعلامية أو التحليلات أو حتى تصريحات المسؤولين وحديث النخب الفكرية. بينما في المقابل، تغيب إلى حد كبير زاوية لا تقل أهمية، تتعلق بتأثير هذه الحروب على ظاهرة الإرهاب، بما يجعلها تبدو دائمًا وكأنها "الظاهرة المنسية" في خضم الصراعات الكبرى. ولا يقتصر هذا الغياب على التطورات الراهنة، بل تكرر في سياقات سابقة، من حرب غزة إلى ما عُرف بحرب الاثني عشر يومًا، مرورًا بموجات التصعيد المتلاحقة التي شهدتها المنطقة.

غير أن ما يُغفل في الخطاب الإعلامي، لا يغيب عن حسابات التنظيمات الإرهابية. إذ أثبتت هذه التنظيمات، وفي مقدمتها تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، قدرتها على قراءة التحولات الجيوسياسية بدقة، والتكيف مع بيئات الصراع بما يخدم أهدافها في تعزيز نشاطها وإثبات حضورها. فقد أدركت أن انشغال القوى الدولية بجبهات صراع مفتوحة، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو تنافس دولي على النفوذ في منطقة الساحل الأفريقي، وغيرها من الأحداث الإقليمية والدولية شديدة الديناميكية، يخلق لها مساحة حركة أوسع لإعادة تنظيم صفوفها، والتخطيط لعملياتها، وتعزيز قدراتها البشرية واللوجستية، بما ينعكس على وتيرة ونمط نشاط أفرعها وذئابها المنفردة الممتدة في مختلف مناطق العالم. 

وتتجلى الانعكاسات السلبية للحروب والصراعات على الجهود الإقليمي والدولية لمحاربة الإرهاب في عدة زوايا. فمن ناحية أولى، تفضي الصراعات المسلحة إلى خلق فراغات أمنية، تتيح للتنظيمات الإرهابية حرية الحركة والانتشار، لا سيما في المناطق الهشة أمنيًا. ومن ناحية ثانية، يؤدي تصاعد التنافس الجيوسياسي إلى تآكل مستويات التعاون الاستخباراتي بين الدول، لصالح أولويات الصراع، ويُضفي حالة من الضبابية وانعدام الثقة تؤثر سلبًا على حسابات المواجهة الاستباقية للتهديدات الإرهابية، ما قد يؤدي أحيانًا إلى التقليل من خطورة النشاط الإرهابي، وبالتالي تراجع الجهود الأمنية لدحره، مقابل الانخراط في تكهنات نظريات المؤامرة بشأنه.

أما من ناحية ثالثة، فإن انشغال القوى الكبرى بصراعات النفوذ والهيمنة يمنح هذه التنظيمات هامشًا أكبر لبناء قدراتها وتنظيم صفوفها، كما تعطيها مرونة تكتيكية وحركية في نشاطها العملياتي، نتيجة تحول اهتمام تلك القوى عن جهود مكافحة ومتابعة النشاط الإرهابي، وتخفيف الدعم المخصص لجهود مكافحة الإرهاب مقابل التركيز على التنافس الجيوسياسي في المجالات المختلفة. ومن ناحية أخيرة، توفر الصراعات الدائرة مادة دعائية خصبة توظفها التنظيمات في خطابها التعبوي، بما يسهم في استقطاب عناصر جديدة وتحفيز خلاياها النائمة على التحرك، وهي تأثيرات لا تظل حبيسة الدعاية، بل تُترجم ميدانيًا في صورة عمليات إرهابية متصاعدة.

وبوجه عام، تؤكد الخبرات المتراكمة أن بيئات الحروب والصراعات تمثل سياقًا مثاليًا لنمو النشاط الإرهابي. وتدعم ذلك المؤشرات الكمية، حيث تشير بيانات النسخة الثالثة عشرة من مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 إلى أن الصراع ظل المحرك الرئيسي للإرهاب منذ عام 2007، إذ وقعت نحو 98% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالإرهاب – والبالغة 158,987 حالة خلال الفترة من 2007 إلى 2025 – في دول تشهد صراعات.

وعليه، فإن استمرار وتيرة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، واتساع نطاقه، ينذر بتداعيات تتجاوز حدود المواجهات المباشرة، ليمتد أثره إلى إعادة تنشيط بؤر الإرهاب في المنطقة. فكلما طال أمد الصراعات وتعقدت تشابكاتها، زادت الفرص المتاحة أمام التنظيمات الإرهابية لإعادة التموضع واستثمار حالة السيولة الأمنية والسياسية، بما يستدعي ضرورة الالتفات إلى تأثيرات تلك الصراعات على ظاهرة الإرهاب، وعدم بقائها خارج دوائر المتابعة والتحليل، وأهمية إدماجها ضمن أولويات الرصد والتحليل خلال المرحلة المقبلة، كي لا تظل في موقع "الظاهرة المنسية"!