مصر تروى مستقبلها بـ 350 مليون متر مكعب من «صيد الأمطار»
سدود جبلية تُعيد إحياء المجتمعات البدوية فى سيناء والبحر الأحمر
الحكومة تستعد لتغير المناخ بـ «مخازن استراتيجية» فوق القمم
معجزة حقيقية نجحت مصر فى تحقيقها بالاستفادة من ملايين الأمتار المكعبة من مياه السيول التى لم تعد خطرًا عابرًا يهدد الأرواح والبنية التحتية، بل تحولت إلى فرصة استراتيجية تعيد صياغة مفهوم إدارة الموارد المائية فى ظل تحديات التغيرات المناخية، نجحت الدولة فى بناء منظومة حديثة من السدود الذكية والبحيرات الصناعية ومخرات السيول، لمواجهة أخطار الأمطار الغزيرة، وفى الوقت نفسه تعظيم الاستفادة منها كمصدر مائى مستدام.
مع تنفيذ أكثر من 1600 منشأ مائى بطاقة استيعابية ضخمة، أصبحت هذه المشروعات درع حماية فَعَّالًا للمدن والطرق والمنشآت الحيوية، إلى جانب دورها فى تغذية الخزان الجوفى ودعم الزراعة والمجتمعات المحلية، خاصة فى المناطق الصحراوية والحدودية، وتعزز منظومة الإنذار المبكر والتنسيق الميدانى قدرة الدولة على تقليل الخسائر وتحويل الأزمات إلى مكاسب.
اقرأ أيضًا| عجز 44 طن سكر تمويني بكفر الشيخ.. وإحالة أمين المخازن لـ النيابة
وهكذا، تقدم التجربة المصرية، نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل التحديات الطبيعية إلى فرص تنموية تدعم الأمن المائى والغذائى وتحقق الاستدامة.
وزارة الموارد المائية والرى، أكدت أن موجة الأمطار الغزيرة والسيول التى ضربت محافظات شمال وجنوب سيناء والبحر الأحمر ومطروح مارس الماضى، لم تتحول إلى كارثة، بل تحولت إلى فرصة استراتيجية لحصاد المياه وتعزيز الأمن المائى، وأوضحت أن منظومة السدود والبحيرات الصناعية والجبلية التى نفذتها الوزارة خلال السنوات الماضية لعبت دورًا حاسمًا فى حماية الطرق السريعة والمنشآت الحيوية والدينية والأثرية، وفى الوقت نفسه وفرت ملايين الأمتار المكعبة من المياه لتغذية الخزان الجوفى وخدمة التجمعات السكنية والبدوية.
وتواصل وزارة الرى، تنفيذ العديد من مشروعات الحماية من أخطار السيول، حيث يجرى تنفيذ عمليات لحماية مدينة مرسى علم ودير الأنبا بولا ودير الأنبا أنطونيوس ووادى العمبجى ووادى الحواشية ووادى حوضين بمحافظة البحر الأحمر، وتأهيل وتطهير سد الروافعة بمحافظة شمال سيناء، وأعمال حماية وادى بعبع وعدد من الأودية بمحافظة جنوب سيناء، وأعمال حماية بوادى أم لشطان بمدينة مرسى مطروح.
كما يُجرى تنفيذ أعمال حماية بمخرات سيول أطفيح والدسمى والمنشى والوادى ووادى متين القبلى والبحرى بمحافظة الجيزة، ووادى الجبو بمحافظة القاهرة، وإنهاء عملية حماية عزبة الشيخ سعيد بمحافظة أسيوط، وأودية الكلاحين والزنبقة بمحافظة قنا، وحماية مدينة القرنة الجديدة بمحافظة الأقصر، وحماية أودية السوايطة والشيخ حسن بمحافظة المنيا، وحماية وادى غراب وفقيرة بمحافظة بنى سويف، كما يتم تطهير مخرات السيول بعدد 117 مخر سيل وبأطوال إجمالية 318 كيلومترًا قبل موسم السيول والأمطار الغزيرة لضمان قدرتها على إمرار مياه السيول بدون أى عوائق، كما تتواصل المتابعة من خلال غرف العمليات ومراكز الطوارئ التى تعمل على مدار الساعة لرصد ومتابعة حالة الأمطار والسيول التى تتعرض لها البلاد من خلال مركز التنبؤ بالفيضان التابع للوزارة.
اقرأ أيضًا| وزير التموين: نرحب باستثمارات تحديث البنية التحتية التجارية
وقال د.هانى سويلم، وزير الرى، إنه فى مجال «التكيّف مع التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية»، تم تنفيذ 1627 منشأ للحماية من أخطار السيول بمختلف المحافظات المعرضة للسيول (شمال وجنوب سيناء - البحر الأحمر - مطروح - الوجه القبلى) بطاقة استيعابية تصل إلى 350 مليون متر مكعب، كما يتم تنفيذ أعمال عديدة لتأهيل وصيانة محطات الرفع بمختلف المحافظات التى تسهم فى الحفاظ على المناسيب الآمنة بالترع والمصارف فى حالات النوات والأمطار الغزيرة، بالإضافة إلى التوسع فى الاعتماد على الطاقة الشمسية بدلًا من الديزل فى تشغيل الآبار الجوفية بما ينعكس على تقليل الانبعاثات الكربونية، حيث تم تحويل 284 بئرًا جوفية للعمل بالطاقة الشمسية.
قلب المواجهة
أشار محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الرى، إلى أن مدينة سانت كاترين شهدت سقوط أمطار متوسطة إلى شديدة، أدت إلى سيول فى أودية الأربعين والتفاحة والتلعة، حيث تم حصاد نحو 200 ألف متر مكعب من المياه فى بحيرة رقم (1) عند مصب وادى الشيخ، كما وصلت السيول إلى سدى سيلاف (1) و(2)، وتم حصاد 200 ألف متر مكعب إضافية، وأكد أن هذه المنشآت أسهمت فى حماية طريق أبو رديس سانت كاترين، وقرية فيران، وخطوط المياه والفايبر على طول الطريق.
وأوضح، أن الوزارة كانت قد نفذت سابقًا 8 بحيرات صناعية و242 بحيرة جبلية و12 سدًا وقناة صناعية، بسعة تخزينية إجمالية بلغت 34 مليون متر مكعب، وهو ما جعل المنطقة أكثر قدرة على مواجهة السيول. وفى 22 مارس، تمكنت منشآت الحماية من حصاد 2 مليون متر مكعب إضافية من مياه الأمطار، توزعت بين سد سيلف رقم (2) وبحيرة سانت كاترين وسد الأسباعية والبحيرات الجبلية، بما وفر موردًا مائيًا جديدًا للتجمعات البدوية.
حماية التجمعات
وقال غانم أن الأمطار التى سقطت على العريش ورفح والشيخ زويد ونخل، أدت إلى جريان سطحى محدود، ولم تصل إلى مستوى السيول، وأوضح أن الوزارة نفذت منشآت حماية شملت سدودًا وحواجز إعاقة وقنوات صناعية وخزانات أرضية بسعة 12 مليون متر مكعب، بهدف حماية مدن جنوب سيناء وخطوط البترول وجامعة العريش ومصانع الأسمنت، إضافة إلى تغذية الخزان الجوفى لخدمة التجمعات البدوية.
اقرأ أيضًا| وزيرة التضامن الاجتماعي توجه برفع درجة الاستعداد القصوى بمناسبة عيد الفطر المبارك
وأشار إلى أن هذه المنشآت ساعدت فى منع وصول السيول إلى المناطق السكنية، وحَوَّلت الأمطار إلى مورد مائى آمن.
إنقاذ الطرق
وأكد، أن الأمطار التى سقطت على الزعفرانة وسفاجا والقصير ورأس غارب لم تؤد إلى سيول، بفضل منشآت الحماية التى تم تنفيذها سابقًا، وأوضح التقرير أن الوزارة أنشأت 3 بحيرات و3 حواجز بوادى عربة بسعة 11 مليون متر مكعب، لحماية قرية الزعفرانة والطريق الساحلى الزعفرانة - رأس غارب، كما تم تنفيذ 4 بحيرات و4 حواجز وقناة صناعية بطول 12 كيلومترًا بوادى حواشية ووادى الدرب، بسعة 5.20 مليون متر مكعب، لحماية مدينة رأس غارب والبنية الأساسية، وطريق رأس غارب الغردقة، وأشار إلى أن هذه المنشآت لم تتأثر بالأمطار الأخيرة، وأثبتت فاعليتها فى حماية الطرق السريعة.
أكد د.هانى سويلم، وزير الرى، أن مركز التنبؤ بالفيضان، أصدر رسائل إنذار مبكر قبل سقوط الأمطار، وهو ما أتاح للوزارة التنسيق مع غرف العمليات بالمحافظات والجهات المعنية، وأوضح أن أجهزة قطاع المياه الجوفية تابعت الموقف على مدار الساعة، وأجرت مرورًا ميدانيًا للاطمئنان على حالة منشآت الحماية، وأشار وزير الرى إلى أن هذا التنسيق المسبق ساعد فى التعامل مع السيول بشكل فَعَّال، ومنع وقوع خسائر بشرية أو مادية.
وأكد وزير الرى، أن منشآت الحماية من السيول ليست مجرد سدود أو بحيرات، بل أدوات استراتيجية لحماية الأرواح والبنية التحتية والمشروعات القومية، وأوضح سويلم، أن هذه المنشآت أسهمت فى حماية جامعة الملك سلمان وجامعة قناة السويس ومحطات البترول وخطوط الفايبر، إضافة إلى حماية الطرق السريعة التى تربط المدن، وأشار وزير الرى إلى أن المياه التى تم حصادها ستستخدم فى تغذية الخزان الجوفى، بما يضمن استدامة الموارد المائية للتجمعات البدوية والسكان المحليين.
وأكد، أن مصر لم تعد تواجه السيول ككارثة طبيعية، بل كفرصة لحصاد المياه وتعزيز الأمن المائي. وأوضح أن السدود والبحيرات التى نفذتها الوزارة حَوَّلت الأمطار الغزيرة إلى ثروة مائية، وحمت الطرق السريعة والمنشآت الحيوية، وأشار إلى أن استمرار الاستثمار فى البنية التحتية المائية وتوسيع منظومة الإنذار المبكر سيظل ضرورة لمواجهة التغيرات المناخية المتزايدة.
وأضاف أن مشروعات الحماية من أخطار السيول تهدف لتوفير الحماية للمواطنين، وحماية المدن والقرى البدوية والمنشآت السياحية والطرق وخطوط الاتصالات والغاز والمياه والكهرباء وأبراج الكهرباء والتى تُقَدَّر قيمتها بعشرات المليارات، بالإضافة لحصاد مياه الأمطار وتجميعها فى البحيرات الصناعية أمام سدود الحماية لاستخدامها بمعرفة التجمعات البدوية فى المناطق المحيطة، وتوفير الاستقرار للتجمعات البدوية نتيجة تغذية الخزان الجوفى بما يضمن استدامة مصدر المياه.
وقامت الوزراة بإنشاء عدد من منشآت الحماية من أخطار السيول بمحيط مدينة طور سيناء بجنوب سيناء، حيث سبق تنفيذ 3 سدود بأودية ميعر وحبران، و5 بحيرات بسعة إجمالية 7.50 مليون متر مكعب، وذلك لحماية مدينة طور سيناء ومنشآتها الدينية والأثرية والحيوية، وخطوط ومحطات البترول، وتغذية الخزان الجوفى السطحى بمحيط المدينة، والتجمع التنموى بواديى أسلا وعريق..كما تم ويتم إنشاء عدد من منشآت الحماية من أخطار السيول بمحيط مدينة رأس غارب، عبارة عن قناة توجيه بطول 12 كيلومترًا، وبحيرة وحاجز خلفها بوادى الدرب، و3 سدود بوادى حواشية، ولم تتأثر أعمال الحماية المنفذة بهذه الأمطار.
إنعكاسات إيجابية
ويرى الخبراء، أن تحسن الموارد المائية قد ينعكس إيجابًا على دخل الفلاحين ويعيد التوازن لعدة منظومات الإنتاج، خاصة مع التغيرات المناخية.. وقال د.عباس شراقى، أستاذ الجيولوجيا والمياه والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن مصر تقع فى قلب الصحراء الكبرى الإفريقية، وهى من أقل مناطق العالم فى معدلات سقوط الأمطار، بل تعد الدولة الأولى عالميًا فى قلة الأمطار، وهذه حقيقة علمية مؤكدة..
وأشار شراقى إلى أن هذه الأوضاع الطبيعية جعلت السواحل المناطق الرئيسية لسقوط الأمطار، وهو ما يعتمد عليه بعض البدو فى مرسى مطروح وسيناء، حيث يستفيدون منها فى الزراعة المطرية.
كما تعد منطقة سانت كاترين ثانى أكثر المناطق فى مصر من حيث نسب الأمطار بعد السواحل، إضافة إلى مناطق حلايب وشلاتين على البحر الأحمر، حيث تُزرع هناك محاصيل مثل التين والزيتون والشعير التى تحتاج إلى كميات قليلة من المياه.
وأوضح أن السيول ظاهرة مختلفة، إذ تسقط كميات كبيرة من الأمطار خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ساعات قليلة، وتحدث غالبًا فى المناطق الجبلية مثل جبال البحر الأحمر الممتدة من حلوان حتى حلايب وشلاتين، حيث تتجمع المياه فى مخرات السيول وتتجه نحو البحر الأحمر أو نهر النيل.
وأضاف أن هيئة الأرصاد الجوية هى المصدر الرسمى للتنبؤ بالأمطار والسيول باستخدام الأقمار الصناعية والصور الفضائية، حيث تصل دقة التنبؤ قبل يوم أو يومين إلى نحو 90%.
وأشار إلى أن وزارة الرى أنشأت عشرات السدود فى المناطق الجبلية لمواجهة مخاطر السيول، حيث تعمل هذه السدود على تقليل كميات المياه وحماية المدن من الغرق، إضافة إلى تخزين المياه للاستفادة منها كمياه سطحية أو لتغذية الخزان الجوفي.
وضرب مثالًا بسد الروافعة فى شمال سيناء الذى يخزن نحو 5 ملايين متر مكعب من مياه الأمطار، وهو رقم محدود لكنه مهم فى منطقة صحراوية.. وأضاف أن سكان مرسى مطروح اعتادوا تخزين مياه الأمطار فى آبار للاستفادة منها طوال العام، بينما تعتمد الدولة على محطات تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب، فى حين تبقى الزراعة معتمدة على مياه الرى والآبار.
وأكد شراقى، أن نهر النيل يظل المصدر الأساسى للزراعة والاستخدامات فى مصر، وأن السدود والبحيرات التى أُنشئت فى المناطق الجبلية تعد أدوات استراتيجية لحماية المدن والبنية التحتية من مخاطر السيول، وفى الوقت نفسه تسهم فى توفير موارد مائية إضافية للسكان والبدو فى المناطق النائية.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







