رشيد بنزين: الأدب لا يعيد الأموات لكنه يحفظ المقاومة

بعد ترجمة روايته للإسبانية
بعد ترجمة روايته للإسبانية


عبر نبيل الجابر، صاحب مكتبة، يحاول الكاتب المغربى رشيد بنزين أن يواجه الإبادة والعنف فى غزة، وذلك فى روايته «بائع الكتب فى غزة» التى صدرت العام الماضى، ويتناول فيها أكثر من سبعين عاما من تاريخ القطاع، منذ النكبة وحتى العصر الحالى، ويفتح من خلالها مساحة داخلية للكرامة والسيادة فى مواجهة انهيار العالم. بمناسبة صدور الترجمة الإسبانية، أجرت معه صحيفة «ليبانتى» هذا الحوار، ويتحدث فيه حول كيف يمكن كتابة قصص خيالية فى أوقات الحرب، ودور الأدب فى مواجهة طوفان الصور، كما يتطرق إلى السؤال المحورى الذى تتركز عليه أعماله: ما فائدة أن تكون رجلًا صالحًا وسط العنف.

فى أى لحظة شعرت أن كتابة القصص يمكن أن تكون الوسيلة الملائمة لتناول ما يجرى فى غزة بدلًا من المقال السياسى أو التحليل الأكاديمى؟
منذ أكثر من عشر سنوات قررت أن أتفرغ للأدب، ذلك أننى لاحظت أنه عندما تشتعل ظواهر عنف شديدة فى مجتمعاتنا لا يكون التحليل الأكاديمى كافيًا. إن شاشات التلفزيون تبث العشرات من المناقشات والمقالات والأرقام والتفسيرات، وعلى الرغم من ذلك، فإن كل هذا يؤدى إلى مزيد من الانقسامات الفكرية. إننا نعيش فى عالم رد الفعل الفورى ولهذا فإننا نحتاج إلى وسيلة مناسبة للتعامل مع ذلك. الأدب والمسرح يساعدانا على قول أشياء يعجز التحليل عن نقلها. موضوع الهجرة على سبيل المثال. على مدار سنوات عديدة نسمع أرقامًا وتقارير ودراسات ليس لها أى تأثير على أرض الواقع، بينما ينجح الأدب فى ملامسة وكشف طبقات متعددة من التجربة الإنسانية. 

ولماذا اخترت هذا الأسلوب المتحفظ الذى بدا كأنه اسطورة إنسانية. ألا ترى أن مأساة مثل غزة تتطلب أدبًا أكثر راديكالية وربما تجريبيًا؟
الرواية يمكن قراءتها كحكاية إنسانية، لكنها حكاية تقبلت السقوط والخراب والانهيار. هى ليست إنسانية ساذجة، بل إنسانية ما بعد المأساة. وكان الإيجاز أمرًا جوهريًا بالنسبة لي، ذلك أننى كنت أبحث عن شكل بسيط يجبرنى على العمل على كل كلمة، وجعل كل مصطلح له أثره. الإيجاز يسمح للكلمات بأن تتمتع بثقل أكبر. إن الأدب لن ينقذنا من القنابل، ولن يعيد الموتى، فنتائج العنف بلا رجعة. لكن الأدب يمكننا من المقاومة للحفاظ على أكثر ما هو جوهرى فى الإنسان. فى سياقات العنف يوجد دائمًا خطر فقدان الإنسانية: ليس فقط أن يفقد الآخر إنسانيته تجاهك، بل أن تفقد أنت إنسانيتك أيضًا. وهذا ما يفعله نبيل. واسمه الجابر يحمل معنى الإصلاح: أى أنه يحاول جبر وإصلاح ما يدمره العنف ليظل إنسانًا بالكامل.

ماذا يمثل بيع الكتب، بل وقراءتها فى هذا العالم المشبع بصور العنف؟
فى الحقيقة إن الرواية تدور حول التباين بين المصور الذى يسعى إلى التقاط صورة، ونبيل بائع الكتب الذى يدعوه إلى الاستماع إلى حكاية، والدخول فى زمن السرد الممتد. إن سرد الحكايات كما فى ألف ليلة وليلة مثلا، يتيح تأجيل العنف. أما تعدد الصور فإنه ينتهى بتخديرنا، وعندما يصبح العنف حاضرًا فى كل مكان ونشعر أننا لا نستطيع فعل شىء، نفضل أن نكف عن النظر. القراءة، فى المقابل، تُدخلنا فى كثافة الزمن، فى امتداده. فى مواجهة فورية الصورة، تكون القراءة نوعًا من البقاء. واليوم، حين نرى شخصًا يقرأ، فإننا بالتأكيد نرى شخصًا يقاوم.
إن كتابك يطرح سؤالًا حول من هو الرجل الصالح فى أوقات الحرب. هل ترى أنه كان من الضرورى طرح مثل هذا السؤال بعد 7 أكتوبر 2023؟

أشعر بالذهول إزاء الطريقة التى يدور بها الحديث عن الفلسطينيين. والحقيقة أننى طرحت ثلاثة أسئلة، الأول: كيف يمكن تفسير القبول بهذا العنف؟ والثانى: كيف يحدث هذا التجريد من الإنسانية؟ ذلك أنه لكى يوجد مثل هذا القدر من العنف ينبغى أولًا أن يكون هناك تجريد من الإنسانية. وأعتقد أن الاجابة تكمن فى تغييب الرواية الفلسطينية واختزال الموت إلى أرقام مجردة وصور الطائرات المسيرة التى تمحو الوجوه. وحينئذ خطر لى السؤال الثالث: فى خضم كل هذه المذابح، من هو الرجل الصالح؟ وكيف يمكن للمرء أن يتمسك بإنسانية عندما يكون فقد كل شىء؟
وهل يمكن حدوث ذلك فعلًا؟ أنت كتبت مثلا عن الأطفال الفلسطينيين الذين باتوا يعرفون كل شيء عن الموت، عندما يكبر هؤلاء هل تعتقد أنهم سيصبحون مسالمين مثل نبيل أم ميالين للحرب مثل شقيقه؟

أتمنى أن يصبحوا مثل نبيل ولكنى أشك فى ذلك كثيرا. إن الصدمة، والخسائر، وغياب الاعتراف بالحِداد، تجعل كل شيء شديد الصعوبة. بالإضافة إلى ذلك، هناك نظام من التصورات يعيق كل شيء، فالفلسطينيون ينظرون للإسرائيليين باعتبارهم محتلين غاشمين، بينما لا يرى الاسرائيليون الفلسطينيين إلا كإرهابيين. إن لعبة المرايا هذه تعوق أى فرصة لوجود أشخاص عادلين فى كلا الجانبين، وهذا ما يجعل الأمور تزداد سوءًا. 

لا يشير عنوان الرواية بالفرنسية إلى «فلسطينى يقرأ» بل «رجل يقرأ» هل هذا مقصود؟ 
بالتأكيد. العنوان بالفرنسية يتماشى مع قصة «الرجل الذى كان يزرع الأشجار» لجان جيونو. إن ما يهمنى هنا إضفاء الطابع الإنساني. لا أريد أن أقص حكاية فلسطيني. بل حكاية إنسان. الأمر الجوهرى هنا هو كرامته، وقدرته على الصمود فى وجه المأساة. إن كونه قدوة لا يعتمد على أصله بل على إنسانيته.

يلاحظ أن فصول الرواية تتحاور مع شكسبير ودرويش وبريمو ليفى وفانون. هل كنت تهدف إلى بناء جسر من التواصل بين الشرق والغرب فى الوقت الذى يبدو فيه الجانبان أبعد ما يمكن؟

نعم. إن الصراعات غالبًا ما تولد انقسامات فكرية تلقائية، أما الأدب فهو على العكس له طابع عالمى. فعندما يستدعى نبيل هاملت وينطق بعبارته الشهيرة «أكون أو لا أكون»، فإن هذه العبارة تكتسب بعدًا خاصًا فى غزة، ذلك أنها تتحول إلى سؤال أكثر شمولًا حول حق شعب بأكمله فى الوجود. الأدب كلما صار أكثر حميمية صار أكثر عالمية.

لقد نجا بائع الكتب فى غزة التى دمرتها القنابل. فهل سينجو من الرأسمالية المتوحشة لغزة حال تحولها إلى منتجع سياحى كما يريد ترامب؟
فلسطين ستبقى وغزة ستبقى. ترامب ونتنياهو سيذهبان. إنهم يحاولون محو هذا الشعب منذ أكثر من سبعين عاما ولكنهم فشلوا. وطالما استمرت الحكايات تروى، ستظل الذاكرة حية. لقد عرف الكثير منا فلسطين من خلال شعر محمود درويش، وهذا يثبت قوة الكلمات. فلا يمكن استعمار الخيال.