في خضم الجدل المتجدد حول أسرار هضبة الجيزة، تعود قضية "أبو الهول" لتشغل الباحثين بين الحقيقة العلمية والتفسيرات غير الموثقة، وبينما تتردد مزاعم عن وجود تمثالين.
تحسم الأدلة الأثرية والقراءات الدقيقة للنصوص والنقوش هذا الجدل، مؤكدة أن ما نراه اليوم هو تمثال واحد، ارتبط بعقيدة دينية عميقة وطقوس تطهير تحمل دلالات رمزية واضحة في الفكر المصري القديم.
◄ مزاعم وجود تمثالين لأبي الهول
أكدت عالمة المصريات الدكتورة ماجدة عبدالله أستاذ تاريخ وآثار مصر والشرق الأدنى القديم ونائب مدير المركز الإقليمى للآثار والفنون والحضارات بالمجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب مفاجأة تؤكد علميًا وجود أبو الهول واحد وتنفى خرافات وجود اثنين التى لا تستند إلى دليل علمى.

وأشار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى ادعاءات الباحث الإيطالي "فيليبو بيوندى" بوجود تمثالين لأبي الهول على هضبة الجيزة مستندًا كما زعم إلى وجود كتلة صخرية أسفل الهضبة أظهرها التصوير بالأقمار الصناعية، وكذلك "لوحة الحلم" التى وضعت بين ذراعى أبو الهول فى عهد الملك تحوتمس الرابع منقوشًا عليها منظرًا يمثل الملك يقف فى طقسين أمام تمثال "أبو الهول" الذى يمثل المعبود "رع حور أختى رع حور الأفقين"ويظهر فيه تمثال أبو الهول مرة يتجه جهة اليمن وأخرى جهة اليسار، وفى كلا المنظرين يبدو أمامه الملك تحوتمس الرابع واقفًا يؤدى طقوس دينية.
◄ تفاصيل لوحة الحلم ودلالاتها
تتضمن لوحة الحلم تفاصيل حلم للملك تحوتمس الرابع سجله ليؤكد على حلم رآه وهو نائم في أحضان أبو الهول فى ظل "النمس" الخاص بالثمثال وذلك بعد أن أُجهد خلال رحلتة للصيد بالهضبة، ووفقًا للنص يذكر الملك تحوتمس الرابع وعد المعبود رع حور أختي له حينما كان أميرًا وليس من حقه وراثة العرش بأنه سيهبه حكم مصر إذا أزال عنه الرمال لكى يتنفس" أى يتم تنظيف الرمال التى غطته تقريبًا حتى ذقنه".

وأضاف الدكتور ريحان أن الأمير تحوتمس الرابع استند فى توليه عرش البلاد على الحلم ورؤيته للمعبود رع حور أختى بأن اختياره ملكًا تم بناءً على مشيئة إلهية لادخل للبشر بها، وهذه الحيلة لجأ إليها عدد من الملوك الذين اعتلوا عرش مصر بمساعدة كهنوت المعبودات المختلفة باستنادهم على مايعرف بالوحى الإلهى فى مصر القديمة، بمعنى اختيار لشخص ما بناءً على حلم أو إشارة من الإله لمن يختاره لتولى عرش مصر، وبالتالى فإن "لوحة الحلم" هى الوثيقة الإلهية التى منحت الأمير تحوتمس الرابع الذى كان من زوجة ثانوية حكم البلاد فى عصر الأسرة الثامنة عشرة .
◄ تفسير طقوس التطهير أمام أبو الهول
وترد عالمة المصريات الدكتورة ماجدة عبدالله أستاذ تاريخ وآثار مصر والشرق الأدنى القديم بخصوص منظرى تقديم الملك تحوتمس الرابع فى طقسين أعلى لوحة الحلم أمام هيئة "رع حور أختى" أبو الهول، بأنه من المعروف فى مصر القديمة أن طقوس التطهير للمعبود تتضمن التبخير وعمل سكيبة بماء النطرون، ويبدو لنا المنظرين للملك تحوتمس الرابع تارة يقدم بخور فى مبخرة ناقوسية الشكل وفى الجانب الآخر يقدم لنفس التمثال ماء كسكيبة بمعنى صب الماء أمام التمثال للتطهير، والماء الطهور مشبع بملح النطرون للتطهير.
اقرأ ايضا| «أبو الهول الثاني».. هل تُستغل الأهرامات لتمرير روايات مشبوهة؟

وتنوه الدكتورة ماجدة عبدالله إلى أن هذا يعنى طقسين أمام تمثال واحد وليس تمثالين كما زعم الباحث الإيطالى واتجه وراءه للأسف عدد من الباحثين المحدثين، ويمكن متابعة طقوس تطهير تماثيل المعبودات من خلال معبد أبيدوس للملك سيتي الأول .
◄ شواهد إضافية من عصر رمسيس الثاني
وتسوق فى نفس الاتجاه لوحة للملك رمسيس الثانى عثر عليها بالإسكندرية تصوره وهو يقدم للإله أتوم تارة البخور وتارة السكيبة فهل هذا يعنى وجود اثنين أتوم؟ الإجابة بالنفى، فأتوم معروف فى الفكر الدينى معبود واحد ولكن يظهر الملك أمامه فى طقسين للتطهير منفصلين، ومن خلال تلك الطقوس يعتقد الملك المصري أنه يستنشق عبير المعبود من خلال البخور المتصاعد حلقاته بينهما مما يمنحه القوة والمكانة والسيطرة فى حكم البلاد أو النصر على الأعداء.
كما نرى مثلا فى لوحة رعمسيس الثانى الذى يرتدى تاج الحرب "خبرش" الأزرق فى طقسيه أمام أتوم، فأراد الملك أن يملأ ذاته بروح وقوة أتوم الذى أوجد نفسه، كما أرد الملك تحوتمس الرابع أن يملأ نفسه بقوة "رع حور آختى" الذى اختاره لعرش مصر، بمعنى وجوده على العرش مشيئة إلهية للمعبود "رع حور آختى "أى رع حور الأفقين" حيث يظهر الملك يوميًا مشرقًا على عرشه مثل رع حور آختى وباختياره الإلهي وليس بمشيئة البشر.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







