بكرة وبعده

الحقيقة المزيفة

وفاء الغزالى
وفاء الغزالى


فى الوقت الذى تبدو فيه مواقع التواصل الاجتماعى مساحة مفتوحة للتعبير والتواصل، يظل لها وجهٌ آخر أقل بريقًا، لكنه أكثر تأثيرًا فى حياتنا اليومية. فخلف الصور المثالية واللحظات السعيدة، تختبئ ضغوط نفسية غير مرئية، تدفع الكثيرين لمقارنة حياتهم بما يرونه على الشاشات، فيشعرون بالنقص أو عدم الرضا.

الوجه الآخر للسوشيال ميديا يتمثل أيضًا فى انتشار المعلومات غير الدقيقة، وسرعة تداول الشائعات دون تحقق، مما يخلق حالة من الارتباك ويؤثر على وعى الأفراد. ومع غياب التدقيق، تتحول الأكاذيب أحيانًا إلى «حقائق» يتناقلها الجميع، فيصعب التمييز بين الصدق والزيف. كما أنها قد تتحول إلى مساحة للحكم على الآخرين، حيث يُختزل الإنسان فى صورة أو منشور، ويُقيَّم بناءً على عدد الإعجابات والتعليقات، لا على حقيقته أو قيمه. 

لا يمكن تجاهل تأثير السوشيال على العلاقات الإنسانية؛ فقد قرّبت المسافات بين الناس، لكنها فى أحيان كثيرة أبعدت القلوب، وجعلت التواصل الحقيقى أقل حضورًا وأصبح التفاعل يقتصر على رسائل سريعة أو رموز تعبيرية، تفتقر إلى الدفء الحقيقى.

من زاوية أخرى، تسرق السوشيال ميديا الوقت دون أن نشعر، فنقضى ساعات فى التصفح دون هدف واضح، ما يؤثر على الإنتاجية والتركيز، بل وأحيانًا على الصحة النفسية وجودة الحياة. رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أنها أداة قوية يمكن استخدامها بشكل إيجابى، لنشر المعرفة، ودعم القضايا المهمة، وبناء مجتمعات متفاعلة.

 إن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد المشاهدات أو الإعجابات بل بما يحدثه المحتوى من تأثير إيجابى وبما يرسخه من مبادئ. فى النهاية، يبقى السؤال: هل نستخدم السوشيال ميديا لنُعبّر عن حقيقتنا، أم لنصنع صورة نُرضى بها الآخرين؟ الإجابة هى ما تحدد أى الوجهين نختار أن نعيشه.