المجتمع المصرى اليوم أمام لحظة فارقة؛ فمن واقع المسئولية التشريعية، بات واضحًا ضرورة إجراء مراجعة جادة لإحدى أكثر المنظومات القانونية تأثيرًا فى استقراره الاجتماعى، وهى قانون الأحوال الشخصية، فالأمر لم يعد مجرد خلاف بين أبٍ وأم انتهت علاقتهما، بل يمتد أثره إلى طفل يجد نفسه، دون إرادة منه، طرفًا فى معركة لا يدرك أسبابها، لكنه يتحمل نتائجها كاملة.
فالأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية، بل هى المؤسسة الأولى التى تُبنى فيها شخصية الإنسان، وتُغرس فيها القيم، ويتشكل داخلها وعيه النفسى والعاطفى، وإذا اختل هذا البناء، فإننا لا نخسر علاقة زوجية فقط، بل نخاطر بتكوين جيل يحمل آثار اضطرابات نفسية تمتد معه لسنوات.
لذلك أرى أنه لا يجوز بناء نصوص قانون الأسرة على فكرة تنظيم الخلاف بين طرفين، الأب والأم، بل يجب أن تقوم على فلسفة أعمق، جوهرها حماية الطفل باعتباره الهدف الأسمى لأى تشريع عادل، مطالبات متكررة من المجتمع المدنى بضرورة مراجعة هذه النصوص، بالتوازى مع تصاعد قصص إنسانية مؤلمة كشفت بوضوح أن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل.
ومن هنا جاءت التوجيهات الرئاسية واضحة بضرورة إصدار قانون متوازن للأحوال الشخصية، يحقق العدالة بين الأطراف، ويحفظ استقرار الأسرة، ويضع مصلحة الطفل فى مقدمة الأولويات، وهى توجيهات تعكس وعيًا سياسيًا وتشريعيًا بحجم التحدى، وتُلقى على عاتق البرلمان مسئولية الإسراع فى مناقشة وإقرار هذا القانون بما يواكب تطورات المجتمع المصرى.
ومع قراءة النماذج القانونية فى الدول الأخرى، يتضح أنها تقوم على مبدأ «المسئولية الوالدية المشتركة»، حيث لا تُطرح الحضانة أو الرؤية باعتبارها حقوقًا متنازعًا عليها، بل باعتبارها حقًا أصيلًا للطفل فى أن يظل على اتصال دائم بكلا أبويه، دون إقصاء أو تهميش لأى طرف.
أما فى الواقع المصرى، فغالبًا ما يتحول الانفصال بين الزوجين إلى ساحة نزاع ممتدة، خلافات على الحضانة، صراعات حول الرؤية، نزاعات على النفقة، وأحيانًا خلافات أكثر تعقيدًا تتعلق بالولاية التعليمية، وفى خضم هذه التعقيدات، يظل الطفل هو الحلقة الأضعف.
يمتد سن الحضانة فى القانون المصرى حتى 15 عامًا، وهو نص يُراد به حماية الصغير، لكنه فى التطبيق العملى ومع غياب نظام «الاستضافة» قد يؤدى إلى إضعاف علاقة الطفل بأحد أبويه، كما أن تنظيم الرؤية فى صورته الحالية، بساعات محدودة أسبوعيًا، لا يعكس طبيعة العلاقة الإنسانية التى يجب أن تجمع الطفل بوالده.
وفى ملف النفقة، ورغم وضوح النصوص القانونية، فإن التحدى الحقيقى يظل فى سرعة التنفيذ، وهو ما يستدعى تفعيل صندوق دعم الأسرة، لضمان وصول الحقوق فى توقيت مناسب، وبما يحفظ كرامة الطفل واحتياجاته الأساسية.
إن تطوير قانون الأحوال الشخصية لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية، غير أن هذا التطوير يجب أن يتجاوز مجرد تعديل النصوص، إلى إعادة صياغة الفلسفة التى يقوم عليها القانون، من إدارة نزاع بين طرفين، إلى حماية إنسان فى طور التكوين.
فالقانون قاعدة عامة مجردة وُضعت لحماية الحقوق، وهنا نتحدث عن حق الطفل فى أن يعيش حياة سوية بين أبٍ وأم، لا بين طرفين فى خصومة، لأن الحقيقة التى لا يجب أن تغيب أن الطفل لا يعنيه من انتصر فى النزاع، بل يعنيه أن يظل أبوه وأمه جزءًا من حياته حتى وإن افترقا.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







