قضية ورأى

الرمز النسائى فى تشكيل الجذور الروحية للهوية المصرية

البدوى محمد
البدوى محمد


تتجدد السلسلة مع السيدة زينب بعد استشهاد الإمام الحسين؛ والتى شرفت مصر باستقبالها والاحتفاء بها، وتحولت السيدة زينب إلى أم المصريين

تشكل المرأة رمزاً مركزياً وملهماً داخل الهوية الدينية المصرية، وتبرز كمحور أساسى تراكمت حوله تجربة التدين والوجدان المصرى عبر آلاف السنين، وقراءة هذه الهوية عبر الرمز النسائى تكشف عن امتداد روحى متصل، وعن قدرة مصر على إنتاج تجربة دينية وجدانية فريدة.
منذ الأسطورة القديمة حول إيزيس، تشكل فى المخيال الجمعى المصرى نموذج المرأة الحارسة للنظام الكونى؛ تجمع أشلاء أوزوريس، تحمى ابنها، وتعيد التوازن إلى العالم، وتقدم تعبيراً ناضجاً عن مركزية الأمومة وقدسية الأسرة، والإيمان بأن الحب العائلى قادر على مقاومة الشر والموت وإعادة البعث والخلود.
ثم تظهر آسية بنت مزاحم، التى كانت أما حنونا لنبى الله موسى، والتى تختار الإيمان والتضحية بمكانتها كملكة على مصر من أجل قناعاتها الإيمانية، وفى قصتها يتجسد الضمير الفردى الذى ينتصر على الخوف، والإيمان الذى يولد فى أحلك البيئات.
وتستمر مصر فى استدعاء الرموز النسائية؛ فتظهر مريم العذراء من خلال رحلتها المقدسة إلى مصر كنموذج فريد للأم التى تواجه العزلة والاتهام، وتتحول إلى رمز للطهر والبركة بحضورها فى الوجدان المصرى عقائديا ووجدانياً؛ صورة الأم التى تتحمل الألم بصمت، ولا غرابة فى وجود تمثال لإيزيس وهى ترضع حورس وصورة العذراء وهى تحمل المسيح؛ فتلك هى مصر بشخصيتها الفريدة التى مزجت بين الحقيقة والأسطورة، وبين الواقع والوجدان.
ثم تتجدد السلسلة مع السيدة زينب بعد استشهاد الإمام الحسين؛ والتى شرفت مصر باستقبالها والاحتفاء بها، وتحولت السيدة زينب إلى أم المصريين، وأضحت مصر شاهدة على ذاكرة تغريبة آل البيت، وتعاطف المصريين معهم وحبهم بعيدا عن المتون والروايات المذهبية؛ فقد صنع المصريون علاقتهم الخاصة ومحبتهم الخالصة لآل البيت.
بهذا المعنى، يمكن قراءة تاريخ علاقة المصريين بالعائلات المقدسة بوصفه سلسلة نسائية متصلة: إيزيس تحفظ النظام، آسية تحفظ الإيمان، مريم تحفظ الرسالة، زينب تحفظ الذاكرة، هذا التراكم الرمزى لم يصنع عقيدة جديدة، لكنه منح التدين المصرى ملامحه الخاصة؛ فالدين فى مصر لا يُعاش بوصفه جدلاً لاهوتياً مجرداً، أو صراعاً مذهبياً متشدداً، بل مساحة للتواصل مع الصالحين، واستحضار سيرتهم العطرة، وإحياء ذكراهم من خلال الاحتفالات الشعبية « الموالد».
كما أن استقبال مصر للعائلات المقدسة - عائلة يوسف، قصة موسى، العائلة المقدسة، ثم آل بيت النبى - رسخ صورة الأرض الحاضنة وطوق النجاة، ومع هذا الاحتضان نشأ يقين داخلى بأن لهذه الأرض رعاية خاصة، وهو ما تجسد فى لقب «المحروسة»، لا بوصفه شعارا، بل شعوراً متراكماً عبر الزمن.
ويزيد من هذا العمق الرمزى ارتباط مصر بالرموز النسائية فى مؤسساتها ومكانتها الدينية: فالأزهر الشريف نسب إلى السيدة فاطمة الزهراء، والقاهرة الفاطمية تحمل إرثها الروحى فى عمارتها وميادينها، والأديرة والكنائس المنتشرة، مثل دير سانت كاترين، تعكس الاحتفاء بقداسة المرأة وارتباطها بجذور الهوية المصرية، لتصبح بذلك مصر كلها أرضاً حاضنة للقداسة والحكمة.
هكذا، أصبحت المرأة فى قلب الهوية الروحية المصرية، وهو ما منح التدين المصرى سماحته واعتداله، وجعل الأرض المصرية حاضنة للحكمة عبر العصور. إن استدعاء الرمز النسائى والعائلات المقدسة يبرز أحد أهم ملامح التجربة الروحية المصرية التى تشكلت عبر الزمن، تلك الهوية المتأصلة فى ثقافة الفنان المصرى، والتى تظهر فى الأعمال الفنية المختلفة، وربما كان هذا العمق الوجدانى أحد أسباب قدرة مصر على مقاومة التطرف والجمود، وجعل التدين فى مصر روحاً نقية تميل إلى التسامح وقبول الآخر والوسطية والاعتدال، مع احتفاظ كل دين ومذهب ومعتقد بملامحه الخاصة وشخصيته الفريدة.
باحث علوم سياسية