قضية ورأى

أكذوبة صراع الحضارات

 د. أيمن الرقب
د. أيمن الرقب


من المفارقات الغريبة أن تنزل الرسالات السماوية الثلاث فى منطقتنا العربية، ثم يتحول الصراع الدينى إلى صراع عالمي.

البعض يعتبر أن الصراع دوافعه صراع بين الحضارات، وطالما أن منطقتنا منبع الحضارات القديمة، ومنبع الكتب السماوية، فهى بذلك مهد للسلام وليس الصراع، ولكن مصدرى الثقافة الغربية الشاذة والتى تدعو للمثلية وتدمير الأسرة والقيم الأخلاقية هى التى تدعى صراع وصدام الحضارات لتحافظ على مصالحها تحت هذا الادعاء بنشر الحريات.

السؤال الأهم من المستفيد مثلا من تدمير الأسرة فى أوروبا؟.

ألم يلاحظ الأوروبيون أن قارتهم صارت قارة عجوزا، وعدد السكان فى تناقص مستمر وبعد مائة عام قد تتقلص للنصف، هذا النموذج الذى نجح فى أوروبا يعمل أعداء المنطقة لنشره فى منطقتنا لتحقيق أهدافهم البعيدة خاصة أن المجتمعات العربية مجتمعات فتية وهذا لا يروق لهم.
لقد ألقت نتائج الحرب العالمية الثانية بظلالها على قارة أوروبا التى كانت ساحة للنزال، وحسب التقارير فقد قتل فى أوروبا وحدها ما يقارب من عشرين مليون نسمة خلال هذه الحرب. 

استغلت الماسونية حالة أوروبا، والصراع العنيف داخلها للسيطرة على مقاليد الحياة، كان الهدف السيطرة على الإنسان بشكل أساسي، تحكمت فى الاقتصاد، والإعلام فى البداية لتمرير أفكارها، وتمددت للسيطرة على كل شيء.

لم تكن منطقتنا العربية ولا دول عديدة فى آسيا مثل الصين أو الهند ولا حتى روسيا تحت مجهر الحركة الماسونية والتى نقلت مقر قيادتها من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى خرجت من الحرب العالمية الثانية أكثر المستفيدين، وبدأت فى العمل المدرج لتفكيك المجتمع الأوروبى والذى ساعدت بيئته الثقافية فى نشر الأفكار الهدامة للأسرة تحت حجة نشر الحريات، ولذلك نرى أكثر المدافعين عن هذا الانزلاق الأخلاقى مثل انتشار المثلية هى ماكينات الإعلام الغربية، ورغم موقف الكنيسة وتصدر الفاتيكان لرفض هذه الظواهر الشاذة إلا أنها انتشرت بشكل عنيف داخل أوروبا، وخلال أقل من قرن رأينا المجتمع الأوروبى يعانى من تفكك أسري، وتقلص عددى حتى أصبح اسمها القارة العجوز. 
الولايات المتحدة الأمريكية التى انتشرت بها أيضا هذه الأفكار ظلت محدودة التأثير، لأن ناشرى هذه الأفكار الهدامة كما أشرنا كان هدفهم القارة الأوروبية أولا. 

بعد أن لاقت التجربة نجاحها فى القارة الأوروبية بدأ العمل على نشر هذه الأفكار فى قارات ودول عدة، وخاصة سبعينيات القرن الماضي، وفى أوج الصراع بين الكتلة الشرقية التى كان يقودها الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو والغربية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، لاقت هذه الأفكار الهدامة مقاومة عنيفة فى العديد من الدول والتى حرمت هذا الشذوذ وعاقبت عليه مرتكبيه دينيا وأخلاقيا وكان الاتحاد السوفيتى ومنطقتنا العربية أكثر المواجهين لهذه الأفكار تحت وازع دينى وثقافى وأخلاقي. 

لم يسلم صناع هذه الأفكار الهدامة بحاجز الصد القائم، ولا يزالون يحاولون اختراقه تحت حجج عدة، لأنهم يدركون أن المستقبل لهذه المجتمعات الفتية والتى تتصدر منطقتنا هذا الجيل، وقد استخدموا أساليب عديدة مثل نشر المخدرات والإرهاب لتفكيك مجتمعاتنا بجانب أفكارهم القديمة.

وثائق جيفرى ابيستين على سبيل المثال تعطينا نموذجا عن هذه العصابة التى تقود العالم وترغب فى تدميره، ليتمكنوا من تمرير ما يرغبون، وهذه التسريبات بمثابة ناقوس يقرع ليسمعه كل مواطن فى منطقتنا، حيث يكشف كيف يخطط لتدمير العالم، وما تم كشفه من هذه الوثائق نقطة فى بحر هذه الأفكار الرذيلة. 

كل هذه التحديات تدفع مؤسسات المجتمع العربى للعمل بشكل جمعى لتوعية الأجيال الصاعدة، وحمايتها من خلال رفع قيم الانتماء للوطن العربى وخلفياته الثقافية والأخلاقية.