لم يعد الترند على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو تبادل اللحظات اليومية بل تحول في كثير من الأحيان إلى سباق مفتوح لجذب الانتباه بأي وسيلة ممكنة حتى لو كان ذلك على حساب القيم أو الخطوط الحمراء التي اعتاد المجتمع احترامها.. في البداية كان الأمر لا يتجاوز مقاطع خفيفة أو محتوى ساخر يهدف للانتشار السريع لكن مع مرور الوقت تغيرت المعادلة.. لم يعد الضحك وحده كافيًا ولم تعد الأفكار التقليدية قادرة على تحقيق التفاعل والربح .. فبدأ البعض في البحث عن الصدمة كطريق مختصر للترند حتى لو كانت هذه الصدمة على حساب الذوق العام أو احترام خصوصية الآخرين .. ومع تصاعد هذا الاتجاه ظهرت أشكال من المحتوى تتجاوز الجرأة إلى مناطق أكثر حساسية حيث لم تعد بعض الخطوط تحترم كما في السابق بل تم الاقتراب من موضوعات كانت تعد لسنوات طويلة خارج نطاق المزاح أو الاستخدام وعلى رأسها الموت وما يرتبط به من قدسية .. فالمقابر في الوعي الجمعي ليست مجرد أماكن عادية بل لها مكانة خاصة ترتبط بالاحترام والرهبة وتعكس نظرة المجتمع للموت باعتباره لحظة لها حرمتها التي لا يجوز التعدي عليها.
لكن مع منطق الترند .. أصبح البعض يتعامل مع هذه الأماكن بنفس عقلية صناعة المحتوى وكأن كل شيء قابل للتصوير وكل شيء يصلح للمشاهدات.. وهنا لم تعد المشكلة في واقعة بعينها بل في نمط يتكرر، يعكس خللا واضحًا في فهم معنى المحتوى وحدوده.. فالبحث عن الانتشار لم يعد عند البعض مرتبطا بالإبداع أو القيمة بل أصبح قائمًا على كسر القواعد بأي شكل حتى لو كان الثمن هو الاستهزاء بمشاعر الناس أو التعدي على ما يعتبره المجتمع مقدسًا والأخطر من ذلك أن بعض صناع المحتوى لم يعودوا يرون في هذه الأفعال تجاوز بل وسيلة مشروعة للوصول السريع في مشهد يكشف أن الأزمة لم تعد في الترند نفسه بل في عقلية تدير هذا الترند، وتتعامل مع كل شيء على أنه مادة قابلة للاستغلال، دون وعي حقيقي بعواقب ما يقدم أو تأثيره على المجتمع.
فتاة القبور
خلال الساعات الماضية، تحولت واقعة فتاة عرفت على مواقع التواصل الاجتماعي بفتاة المقابر إلى محور جدل واسع، وأثار غضب رواد صفحات التواصل الاجتماعي بعد تداول مقاطع فيديو لها داخل إحدى المقابر بمحافظة بني سويف.. ووفقا لما تداول ظهرت الفتاة في الفيديو وهي تصور محتوى داخل المقابر؛ حيث بدت وكأنها تتعامل مع المكان بطريقة اعتبرها كثيرون غير لائقة، وتضمنت حركات وتصرفات وصفت بأنها تحمل قدرًا من الاستهانة بحرمة الموتى، وهو ما أثار حالة من الغضب بين المتابعين.. المقاطع لم تتوقف عند حدود التصوير فقط، بل أظهرت الفتاة وهي تتجول بين القبور وتقوم بتصرفات أثارت استياء واسع خاصة مع طبيعة المكان الذي ينظر إليه باعتباره موضع احترام وهيبة في الوعي المجتمعي.. سرعان ما انتشرت الفيديوهات على نطاق واسع، لتتصدر الترند خلال وقت قصير، وسط موجة من التعليقات الغاضبة التي طالبت بمحاسبة الفتاة، معتبرين أن ما حدث تجاوز واضح لا يمكن اعتباره مجرد محتوى للترفيه في المقابل حاول البعض التقليل من حدة الواقعة، معتبرين أنها تدخل في إطار البحث عن الشهرة أو جذب الانتباه إلا أن ذلك لم يمنع تصاعد المطالب باتخاذ إجراءات قانونية، خاصة مع حساسية المكان وطبيعة التصرفات التي تم توثيقها.
ومع تزايد الجدل، تحركت الأجهزة الأمنية، وتمكنت من تحديد الفتاة الظاهرة بمقطع الفيديو، وتبين أنها طالبة مقيمة بدائرة قسم شرطة حدائق القبة وعند مواجهتها، أقرت بأنها صورت مقطع الفيديو بطريقة ساخرة داخل مقابر جدها للأم الكائنة بدائرة مركز شرطة إهناسيا بمحافظة بني سويف، ونشره على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي بهدف زيادة نسب المشاهدات وتحقيق ربح مادي، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، فيما تولت النيابة العامة مباشرة التحقيقات.
القانون والشرع
وبالتواصل إسلام محمد المحامي بدأ حديثه قائلاً: تأتي هذه الواقعة في إطار جريمة انتهاك حرمة القبور والتي حدد قانون العقوبات عقوبة لها، وهي الحبس 3 سنوات لكل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها، وطبقا لـ قانون العقوبات تكون العقوبة السجن المشدد الذي لا تقل مدته عن 5 سنوات إذا ارتكبت أي من الجرائم السابقة لغرض إرهابى.
ليستكمل الشيخ أحمد خليل، من علماء الأزهر الشريف، بدأ حديثه قائلا: إن ما تداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي من فيديو لفتاة تقوم بالتصوير داخل المقابر على سبيل المزاح والسخرية، أمر مرفوض للشرع ومخالف لقيم الدين والأخلاق، كما أن للمقابر حرمة عظيمة في الإسلام، فهي موطن العبرة والاتعاظ وليست مكانا للضحك أو صناعة المحتوى بهدف جذب المشاهدات، كما أن حرمة الإنسان لا تنتهي بموته، بل تظل مصونة كما كانت في حياته فقال النبي صل الله عليه وسلم: كسر عظم الميت ككسره حيًا، بما يدل على وجوب احترام الميت وعدم التعدي عليه بأي صورة من الصور، سواء بالفعل أو القول أو حتى بالإشارة التي تحمل سخرية أو استهانة، كما أن تحويل أماكن الدفن إلى ساحة للترفيه أو الترند يعكس خللا في الوعي، خاصة لدى بعض الشباب، كما أن التفاعل مع مثل هذه المقاطع بالمشاهدة والنشر يسهم في انتشار هذا السلوك، فلابد من التوقف عن دعم أي محتوى يهين القيم أو يعتدي على حرمة الموتى، كما أن زيارة المقابر في الإسلام شرعت للعبرة وتذكر الآخرة كما قال النبي صل الله عليه وسلم زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة وليس للتصوير أو التباهي أو تحقيق مكاسب مادية أو شهرة زائفة، فلابد من مراجعة النفس واحترام حرمة الموت فالقيم الدينية لا تتغير بتغير الزمن أو وسائل التواصل وأن الحفاظ على هيبة الموت واحترام أهله من علامات الإيمان ورقي المجتمع.
اقرأ أيضا:
الأم: طليقى خطف بنتى منذ ولادتها ولم أرها حتى الآن
صرخة أب: حماتي حرمتني من رؤية طفلتي بعد وفاة زوجتي
كيف تتعامل مستشفى العباسية مع المتهم بقتل أمه وشقيقاته بالإسكندرية؟






