رؤى

قوة مصر فى مواجهة التحديات

النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ
النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ


أصبحنا فى عالمٍ لم يعد يعترف إلا بالاقتصاديات القادرة على الإنتاج بكفاءة، وهنا يبرز الوعى الإنتاجى كأحد أهم مفاتيح القوة الحقيقية للدول، فالقضية لم تعد مجرد موارد أو إمكانيات متاحة تمتلكها مصر، بل أصبحت فى جوهرها قدرة الإنسان على فهم قيمة العمل، وتحويل الجهد إلى قيمة مضافة، تُحدث فارقًا حقيقيًا فى الاقتصاد والمجتمع .. وبين دول تستهلك ما لديها، وأخرى تُحسن استغلال مواردها وتصنع مستقبلها، يظل الوعى الإنتاجى هو السلاح الحقيقى للمواجهة.

لقد أثبتت التجارب أن الأزمات، مهما كانت قاسية، لا تُواجه بالانتظار، بل بالفعل، وهنا تبرز حقيقة أن «الإنتاج هو العلاج»، التى تناولتها فى مقال سابق بأخبار اليوم، لكنه علاج لا يحقق أثره الكامل إلا إذا صاحبه وعيٌ حقيقى بكيفية الإنتاج وأهدافه، فالإنتاج لم يعد مجرد زيادة حجم المخرجات الإنتاجية، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ بالفكر وتنتهى بالقيمة المضافة.

فى مصر، ومع ما تحقق من إنجازات كبيرة فى البنية التحتية خلال السنوات الأخيرة على يد القيادة السياسية المتمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبح التحدى الأكبر ليس فى البناء، بل فى التفعيل والإنتاج، فلم يعد كافيًا أن نمتلك طرقًا حديثة أو مدنًا جديدة، بل الأهم هو كيف نحول هذه الإمكانيات إلى طاقة إنتاجية داخل المجتمعات المحلية لتنميتها، وكيف يصبح المواطن المصرى شريكًا فى التنمية، لا مجرد مستهلك لها.

الوعى الإنتاجى يعنى ببساطة أن يدرك كل فرد قيمة ما ينتجه، وأن يفهم موقعه داخل منظومة اقتصادية أكبر، وعندما يتحقق هذا الإدراك، يتحول العمل من وظيفة تقليدية إلى دور حقيقى فى بناء الاقتصاد، وهنا يكمن الفارق بين مجتمع يستهلك، وآخر يُنتج ويُضيف، وهو فارق يصنعه الوعى قبل أى شيء آخر.

ومن واقع خبرتى فى القطاع الزراعى والاستثمارى بكافة مجالاته، فإن بناء اقتصاد قوى يبدأ من الأرض، لكنه لا ينتهى عندها، فالزراعة، على سبيل المثال، لا يجب أن تتوقف عند إنتاج المحصول، بل تمتد إلى التصنيع الزراعي، والتعبئة، والتسويق، والتصدير، فالقيمة الحقيقية لا تتحقق من بيع المنتج الخام، بل من تعظيم ما يُضاف إليه كقيمة مضافة حقيقية.

وفى ظل ما يشهده محيطنا الإقليمى من اضطرابات وحروب تؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتجارة، يصبح الاعتماد على الإنتاج المحلى ضرورة لا خيارًا، فالدول التى تمتلك القدرة على إنتاج احتياجاتها الأساسية تكون أكثر قدرة على الصمود، وأقل تأثرًا بالتقلبات الخارجية.
لكن هذا التحول لا يمكن أن يحدث دون تغيير حقيقى فى الفكر، نعم .. فثقافة «الريع» لم تعد قادرة على دعم اقتصاد حديث لمصر، وأصبح التحول من ثقافة الريع إلى ثقافة الإنتاج ضرورة حتمية لتحقيق نهضة مستدامة، وهذا يتطلب دعمًا واضحًا للمشروعات الإنتاجية، وتمكينًا حقيقيًا للشباب، وتشجيعًا لريادة الأعمال، داخل المجتمع.

كما أن الاستثمار فى الإنسان يظل الركيزة الأهم، فالتعليم والتدريب وبناء المهارات ليست مجرد أدوات مساعدة، بل هى المحرك الأساسى لأى عملية إنتاج ناجحة، فالاقتصاد لا يُبنى فقط بالمشروعات الضخمة، بل بالعقول القادرة على إدارتها وتطويرها.

ويبقى الفارق الحقيقى بين اقتصاد قوى وآخر هش هو الوعى .. وعيٌ إنتاجى يجعل من العمل قيمة، ومن الموارد فرصة، ومن التحديات دافعًا للنمو، ومصر اليوم تمتلك كل المقومات التى تؤهلها لتحقيق هذه المعادلة، بشرط أن يتحول الإنتاج من خيار إلى ثقافة، ومن هدف مرحلى إلى أسلوب حياة، حينها فقط نصنع اقتصادًا قويًا، ونبنى دولة قادرة على مواجهة الأزمات، ونؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا يليق بمكانة مصر وتاريخها.