لم تعد قضايا غسيل الأموال حكرًا على قلة من رجال أعمال أو شبكات إجرامية معقدة، بل وجدت طريقها إلى عالم اللايك والشير، حيث تحولت بعض حسابات السوشيال ميديا من منصات للترفيه وصناعة المحتوى إلى واجهات مالية مثيرة للشكوك.. فلم يعد القبض على بلوجر بتهمة غسيل الأموال خبرًا صادمًا.. بل أصبح خبرًا متكررًا.. الصدمة الحقيقية لم تعد في الجريمة بل في الإصرار عليها.. فأصبح كل فترة يظهر اسم جديد وأرقام بالملايين.. حسابات تنتفخ فجأة وتحقيقات تكشف أن خلف الكاميرا اللامعة.. أموال بلا مصدر واضح ومع كل واقعة، هناك سؤال يطرح نفسه هل يتعلم أحد؟.. لكن الإجابة تبدو صادمة وهي لا.. ورغم تكرار ضبط وقائع مشابهة خلال الشهور والسنوات الأخيرة، وظهور أسماء معروفة في قضايا تتعلق بتضخم الثروات بشكل غير مبرر، إلا أن الظاهرة لا تبدو في طريقها للتراجع، بل تتجدد بأساليب مختلفة وكأن الدرس لم يستوعب بعد.. لكن اللافت في الأمر أن بعض صناع المحتوى لم يعودوا يسعون فقط وراء الشهرة أو زيادة عدد المتابعين والمحتوى لم يعد دائمًا بريئا بل أحيانًا ستار لتمرير أموال لا يُعرف مصدرها.. فأصبح المال السريع الهدف الأبرز حتى لو كان الطريق مليئ بالمخاطر القانونية.. والأخطر أن بعض هذه الحسابات التي تبدو عادية للمشاهد، قد تتحول في لحظة إلى واجهة رقمية لعمليات مالية معقدة، تمر عبر إعلانات وهمية، تحويلات غير منطقية، أو نشاط لا يتناسب مع حجم الأرباح المعلنة.. وهنا يصبح السؤال أكثر شراسة لماذا لا يخاف البعض؟ولماذا يختارون المال حتى لو كان الطريق إليه ينتهي خلف القضبان؟ لكن يبدو أن بريق الأموال أقوى من أي تحذير وأسرع من أي عقوبة، تفاصيل أكثر إثارة سوف نسردها لكم في السطور التالية.
كانت قد ألقت الإدارة العامة لحماية الآداب القبض على بلوجر شهيرة بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية بـمنطقة التجمع الخامس، فرصدت الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة؛ صانعة محتوى تنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية، عقب تقنين الإجراءات تمكن رجال مباحث الآداب من ضبطها أثناء تواجدها بدائرة قسم شرطة التجمع الخامس بالقاهرة، وبحوزتها (4 هواتف محمولة «بفحصهم تبين احتواءهم على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامى، وبمواجهتها اعترفت بنشرها مقاطع الفيديو المشار إليها على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية، وتحرر محضر بالواقعة وتولت النيابة العامة التحقيق، وفى سياق آخر، طلبت نيابة الأموال العامة، كشف حساب بنكي من البنك المركزي وذلك لحسابات المتهمة «إنجي. ح» صانعة محتوى شهيرة، لها معلومات جنائية، لاتهامها بغسل أموال متحصلة من نشاط غير قانوني عبر مواقع التواصل الاجتماعي قدرت بـ ١٥ مليون جنيه، كشفت التحريات أن المتهمة أقدمت على إنشاء وإدارة صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، واستغلتها في نشر مقاطع فيديو تتضمن أعمالًا منافية للآداب العامة، بما يُعد اعتداءً على قيم ومبادئ المجتمع، وذلك بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية بطرق غير مشروعة، استقطاب راغبي المتعة لتحقيق أرباح غير قانونية، في مخالفة صريحة للقانون، كما حاولت إخفاء مصادر أموالها غير المشروعة من خلال غسلها عبر شراء وحدات سكنية وسيارات، لإضفاء صفة قانونية عليها وإظهارها كعائدات من أنشطة مشروعة، وقدرت الجهات المختصة حجم عمليات غسل الأموال التي قامت بها المتهمة بنحو 15 مليون جنيه تقريبًا، حيث اتخذت كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، وعرض المتهمة على جهات التحقيق المختصة، وأكدت الأجهزة الأمنية استمرار جهودها في ملاحقة جرائم غسل الأموال والتصدي لكافة صور الخروج عن القانون، خاصة الجرائم المرتبطة بإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
جرائم كثيرة
وبالتواصل مع إسلام محمد المحامي بدأ حديثه قائلاً:لم تعد ظاهرة البلوجرز أو المؤثرين مجرد نشاط ترفيهي على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى صناعة ضخمة تدر ملايين الجنيهات على أصحابها، وان هذا النجاح السريع يجذب الأنظار، فقد تحولت هذه الفئة إلى محور جدل مجتمعي وقانوني بعد القبض على عدد من البلوجرز بتهم تتراوح بين التهرب الضريبي والإتجار غير المشروع في العملة، وصولًا إلى أخطر هذه التهم وهي غسيل الأموال، وهنا القانون المصري كان واضحًا في تعريف جريمة غسل الأموال، فقد نص القانون رقم 80 لسنة 2002 بشأن مكافحة غسل الأموال على أن كل فعل يقصد به إخفاء أو تمويه طبيعة أموال متحصلة من جريمة، أو تغيير حقيقتها لدمجها في النظام المالي المشروع، يعد جريمة قائمة بذاتها، بمعنى حين تأتي الأموال من مصدر غير مشروع مثل المخدرات أو الإتجار في النقد الأجنبي أو حتى النصب الإلكتروني، ثم يحاول صاحبها إظهارها وكأنها أرباحا من نشاط تجاري عادي أو من الإعلانات، فإن ذلك يمثل جريمة غسيل أموال مكتملة الأركان، لكن الحقيقة أن البلوجرز أصبحوا يحققون أرباحًا ضخمة من خلال منصات التواصل الاجتماعى المختلفة بعضها مشروع بالفعل من خلال إعلانات رسمية أو تعاقدات واضحة، لكن على الجانب الآخر، كشفت التحريات أن بعض هؤلاء المؤثرين كانوا يتلقون تحويلات مالية هائلة من مصادر مجهولة أو عبر وسطاء، وأن حجم هذه التحويلات لم يكن يتناسب مع نشاطهم المعلن، وهنا تدخلت اجهزة الدولة الرقابية والنيابة العامة لرصد الحسابات البنكية، وتبين أن هناك محاولات لتمرير أموال مشبوهة على أنها عوائد إعلانية أو هدايا من المتابعين، والعقوبة التي يقررها القانون المصري في هذه الحالات شديدة الصرامة، فجريمة غسل الأموال لا تقتصر على السجن الذى يصل الى سبع سنوات فقط، بل تمتد إلى مصادرة الأموال محل الجريمة، وفرض غرامة تعادل مثلي قيمتها، بمعنى أن المتهم لا يخسر سمعته فقط، بل يخسر كل ما جمعه من ثروة، ويظل وصم الجريمة يلاحقه مدى الحياة. وهو ما يجعل هذه القضايا مرعبة لكل من يحاول التحايل على القانون أو استغلال الشهرة كستار لإخفاء جرائم مالية، ورغم ذلك، فإن القانون يفرق بين الربح المشروع والمال المشبوه، فالمؤثر الذي يعلن عبر شركات معروفة ويحول أرباحه عبر البنوك المصرية بشكل رسمي، ويقوم بتسوية موقفه الضريبي، لا يواجه أي مشكلة، بينما المؤثر الذي يدخل أموالًا من الخارج دون الإفصاح عنها، أو يتعامل عبر وسطاء لتحويل مبالغ كبيرة بلا سند تجاري واضح، فإنه يعرض نفسه مباشرة لشبهة غسل الأموال، فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين الدولة والبلوجرز كما يتصور البعض، بل هي محاولة لضبط حركة الأموال وضمان ألا تتحول المنصات الإلكترونية إلى غطاء لجرائم أكبر، كما أن الخطر الحقيقي أن يتم استغلال هذه القنوات في إدخال أموال قادمة من تجارة المخدرات أو الإرهاب أو الاتجار بالبشر، ثم إعادة تدويرها على أنها أرباح إعلانية أو هدايا من المتابعين. وهنا يتضح أن حماية الاقتصاد الوطني لا تقل أهمية عن محاسبة الأفراد، فما يحدث اليوم رسالة واضحة أن الشهرة ليست حصانة ومهما كان عدد المتابعين أو حجم الأرباح، فإن القانون يظل هو الفيصل الوحيد، ولعل أبرز ما تكشفه هذه القضايا أن الرقابة المالية في مصر أصبحت أكثر دقة ونشهد كل يوم من حملات تطهير موسعة، وأن أي أموال لا تستند إلى مصدر مشروع ومعلن ستظل محل مساءلة، ولذلك، فإن الطريق الآمن أمام البلوجرز الحقيقيين هو الشفافية الكاملة وتوثيق مصادر الدخل، والإفصاح عن التعاقدات، والالتزام بالقوانين الضريبية والمالية، ويبقى الدرس الأهم للمجتمع أن خلف بريق الشهرة على السوشيال ميديا قد تخفى جرائم مالية كبرى، وأن القانون المصري لا يتهاون مع أي محاولة لتمويه الأموال أو غسلها تحت أي مسمى، إنها معركة بين اقتصاد نظيف وممارسات غير مشروعة، والفيصل فيها دائمًا سيكون ميزان العدالة.
اقرأ أيضا: التحقيق مع صانعة محتوى لغسل 15 مليون جنيه من نشاط غير مشروع
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







