بيروت.. حزب الله بين «معادلة الردع» و«شبح الحرب الشاملة»

مقاتلو حزب الله اللبنانى على قاذفة صواريخ متعددة
مقاتلو حزب الله اللبنانى على قاذفة صواريخ متعددة


يجد حزب الله نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية شديدة التعقيد، فى ظل تصاعد المواجهة مع إسرائيل، وما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على المستويين الداخلى والعسكرى، خاصة مع ما يُوصف بـ«الدخول المبكر» فى دائرة الاشتباك، قبل اكتمال نضج الظروف الإقليمية والدولية هذا التوقيت لم يكن عفويًا، بل يعكس تقديرًا استراتيجيًا لدى الحزب بأن تأجيل المواجهة قد يمنح إسرائيل فرصة أفضل لفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصًا فى ظل انشغال العالم بأزمات متعددة.

اقرأ أيضًا| الاحتلال يفقد 11 جنديًا في معارك جنوب لبنان مع حزب الله منذ بدء الحرب

منذ اندلاع الحرب فى قطاع غزة، سارع الحزب إلى فتح جبهة الجنوب اللبنانى، فى خطوة هدفت إلى تخفيف الضغط عن المقاومة الفلسطينية، لكنها فى الوقت ذاته وضعت لبنان أمام تحديات غير مسبوقة.

هذا التدخل المبكر أعاد تشكيل قواعد الاشتباك التقليدية التى كانت قائمة منذ حرب 2006، وفتح الباب أمام احتمالات تصعيد أوسع قد لا يمكن احتواؤه بسهولة، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية لاحتواء الصراع ومنع توسعه.

على الصعيد الداخلى، يواجه حزب الله ضغوطًا متزايدة داخل لبنان، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق البلاد إلى حرب شاملة فى ظل أزمة اقتصادية خانقة تُعد من الأسوأ فى تاريخها الحديث.

قطاعات واسعة من اللبنانيين تنظر بقلق إلى الانخراط العسكرى المبكر، معتبرة أنه قد يجر البلاد إلى دمار جديد دون توافق وطنى شامل. فى المقابل، لا يزال الحزب يحتفظ بقاعدة شعبية صلبة داخل بيئته الحاضنة، ترى فى هذا التحرك ضرورة استراتيجية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، خاصة فى ظل استمرار الخروقات الجوية والبرية.

سياسيًا، يعكس هذا الانقسام الداخلى حالة الاستقطاب الحاد فى لبنان، حيث تتباين مواقف القوى السياسية بين داعم لتحركات الحزب باعتبارها جزءًا من «معادلة الردع»، وبين معارض يرى أنها تُقحم البلاد فى صراعات إقليمية لا طاقة لها بها. كما أن مؤسسات الدولة تبدو عاجزة عن لعب دور حاسم فى ضبط إيقاع التصعيد، ما يترك المجال مفتوحًا أمام الفاعلين غير الحكوميين لتحديد مسار الأحداث.

اقتصاديًا، أدى التصعيد فى الجنوب إلى شلل نسبى فى المناطق الحدودية، مع نزوح آلاف السكان وتوقف الأنشطة الزراعية والتجارية. كما أن استمرار التوتر يهدد أى فرص لتعافى الاقتصاد اللبنانى، ويزيد من عزلة البلاد إقليميًا ودوليًا، خاصة فى ظل ارتباط الحزب بمحور تقوده إيران، وهو ما يضع لبنان فى قلب صراعات أوسع تتجاوز حدوده.

كذلك، فإن أى تصعيد كبير قد يؤدى إلى تدمير البنية التحتية الحيوية، وهو ما سيضاعف من كلفة إعادة الإعمار فى بلد يعانى أصلًا من نقص الموارد.

عسكريًا، يبدو أن حزب الله اعتمد استراتيجية «الانخراط المحسوب»، حيث ينفذ عمليات نوعية محدودة على طول الحدود، مستهدفًا مواقع عسكرية إسرائيلية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق توازن دقيق: استنزاف الخصم، وإظهار الجاهزية، مع تجنب إعطاء مبرر لتوسيع الحرب.

فى المقابل، ترد إسرائيل بضربات مركزة، وتسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة قد تشمل إبعاد الحزب عن الحدود لمسافة أكبر، وربما الدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة تحت إشراف دولى.

فى هذا السياق، تبرز مخاوف حقيقية من أن تكون إسرائيل بصدد تنفيذ خطة طويلة الأمد تهدف إلى تغيير الواقع الأمنى فى الجنوب اللبنانى، سواء عبر عمليات عسكرية محدودة ومتواصلة، أو من خلال الدفع نحو ترتيبات دولية جديدة تُقيد حركة حزب الله.

وتشير بعض التقديرات إلى أن إسرائيل قد تسعى لاستغلال الظرف الإقليمى الحالى لإعادة رسم قواعد اللعبة بشكل جذرى، مستفيدة من الدعم الغربى والغطاء السياسى الدولى.

استعدادات حزب الله لمواجهة هذه المخططات تبدو متعددة الأبعاد. فمن جهة، يعزز الحزب من انتشاره العسكرى فى الجنوب، ويطور من قدراته الصاروخية والتكتيكية، بما يشمل استخدام طائرات مسيرة وأنظمة مراقبة متقدمة.

ومن جهة أخرى، يعمل على ترسيخ معادلة ردع قائمة على «التصعيد مقابل التصعيد»، بما يعنى أن أى خطوة إسرائيلية كبيرة ستقابل برد أكبر، وهو ما يسعى من خلاله إلى تثبيت توازن رعب يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

كما يعتمد الحزب على عمقه الاستراتيجى الإقليمى، خاصة علاقته بإيران، التى توفر له دعمًا عسكريًا ولوجستيًا مهمًا، إلى جانب التنسيق مع فصائل أخرى فى المنطقة، ما يعزز من قدرته على خوض حرب متعددة الجبهات إذا لزم الأمر. ومع ذلك، فإن هذا الارتباط يضعه أيضًا فى دائرة الاستهداف ضمن أى مواجهة أوسع بين إيران وإسرائيل، وهو ما يزيد من تعقيد حساباته الاستراتيجية.

إقليميًا، لا يمكن فصل تحركات حزب الله عن المشهد الأوسع فى الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأزمات من سوريا إلى العراق، مرورًا بالتوترات فى الخليج. هذا التشابك يجعل أى تصعيد فى الجنوب اللبنانى مرشحًا للامتداد إلى ساحات أخرى، خاصة فى ظل وجود أطراف إقليمية مستعدة للدخول على خط المواجهة.

إن «الدخول المبكر» لحزب الله فى المواجهة يحمل فى طياته مزيجًا من المكاسب التكتيكية والمخاطر الاستراتيجية. فمن ناحية، نجح الحزب فى فرض نفسه كطرف فاعل فى معادلة الصراع الإقليمى، ومن ناحية أخرى، يواجه تحديات داخلية وخارجية قد تقيد حركته فى المدى المتوسط، خاصة إذا طال أمد المواجهة دون تحقيق نتائج حاسمة.


يبقى مستقبل الوضع فى الجنوب اللبنانى مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار الاشتباكات المحدودة وفق قواعد اشتباك غير معلنة، أو التوصل إلى تفاهمات مؤقتة برعاية دولية تعيد تثبيت التوازن، أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خريطة التوازنات فى المنطقة بأكملها.

وفى جميع الأحوال، فإن قدرة حزب الله على إدارة هذا التوازن الدقيق، بين التصعيد والاحتواء، ستحدد إلى حد كبير مسار المرحلة المقبلة، ليس فقط فى لبنان، بل فى مجمل الإقليم الذى يقف على حافة تحولات كبرى.