معاناة يومية يعيشها عدد من مرضى الأورام فى رحلة البحث عن الدواء، بالتزامن مع خوضهم مراحل علاجية شاقة بين جلسات الكيماوى والجراحات والعلاج الإشعاعى.. فإلى جانب الألم الجسدى والضغوط النفسية، يواجه بعض المرضى صعوبات فى صرف الأدوية وإجراءات طويلة للحصول عليها.
وفى هذا التحقيق، تستمع «الأخبار» إلى قصص عدد من المرضى، حيث يروون تفاصيل معاناتهم مع نقص بعض أدوية الأورام، واضطرارهم فى كثير من الأحيان إلى البحث عنها خارج المستشفى رغم ارتفاع تكلفتها، فى وقت يخوضون فيه بالفعل معركة صعبة مع المرض.
اقرأ أيضًا | في اليوم العالمي للسرطان.. إنجازات مركز الأورام بأسوان رسالة أمل للمرضى
قالت إيناس همام، مريضة سرطان الثدي: لم تكن رحلة العلاج من السرطان سهلة تمامًا، فقد خضت رحلة طويلة من الألم والأمل فى آن واحد. فبعد تشخيص حالتى، بدأت رحلة علاج شاقة شملت 33 جلسة علاج كيماوي، تلتها جراحة لاستئصال الورم، ثم خضعت لاحقًا لجلسات العلاج الإشعاعي، قبل أن أبدأ منذ عام تقريبًا فى تلقى العلاج الهرمونى كمرحلة أساسية لمنع عودة المرض.
ورغم قسوة العلاج، تؤكد إيناس أن أصعب ما تواجهه اليوم ليس المرض نفسه، بل صعوبة الحصول على الدواء، موضحة أنها تتلقى العلاج فى مستشفى الثدى بالتجمع الأول التابع للمعهد القومى للأورام، إلا أن مشكلة نقص الأدوية أصبحت، على حد وصفها، معاناة يومية لعدد كبير من المرضى.
وتقول: «قرارات العلاج مرهقة جدًا وإجراءاتها معقدة، والعلاج التدعيمى غير متوافر فى كثير من الأحيان، وحتى العلاج الهرمونى إجراءات صرفه طويلة ومتعبة».
وتضيف أنها تقدمت بعدة شكاوى بسبب صعوبة صرف العلاج، لكنها لم تجد حلًا حتى الآن، مؤكدة أن المرضى كثيرًا ما يُطلب منهم شراء الأدوية من خارج المستشفى بسبب عدم توافرها.
تحديات قاسية
بينما يروى محمد عبد المنصف معاناة زوجته التى توفاها الله منذ 6 أشهر قائلاً: لم تكن رحلة مرضها مجرد معركة مع ورم فى الرحم، بل كانت طريقًا طويلًا من الألم، والتجارب العلاجية المتعددة، والبحث المستمر عن دواء قد يمنحها فرصة جديدة للحياة.
ويقول عبد المنصف إن بداية القصة تعود إلى عام 2020، عندما تم تشخيص زوجته بالمرض، لتبدأ رحلة علاج شاقة، خضعت خلالها لعدد من جلسات العلاج الكيماوى، قبل أن تجرى فى نهاية عام 2021 جراحة لاستئصال الرحم وجزء من الغشاء البريتونى. وبعد العملية، استكملت جلسات العلاج، وكانت النتائج فى البداية مطمئنة، حيث أظهرت الفحوصات تحسنًا واضحًا واستقرارًا فى الحالة.
لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، إذ عاد المرض مرة أخرى، وبدأت مرحلة جديدة من العلاج ببروتوكولات مختلفة، استمرت لفترات طويلة دون تحقيق النتائج المرجوة. ومع كل مرحلة، كان الأمل يتجدد، ثم يتراجع مع عدم استجابة الحالة بشكل كافٍ.
ويؤكد أن رحلة العلاج لم تكن مرهقة صحيًا فقط، بل كانت أيضًا معركة يومية لتوفير الدواء، موضحًا أن منظومة التأمين الصحى كانت توفر الأدوية المتاحة، حتى فى الحالات التى لم تكن تحقق نتائج فعالة مع الحالة، بينما كانت بعض الأدوية المهمة غير متوافرة فى أوقات كثيرة.
ويضيف أن هذا الوضع اضطره فى أحيان كثيرة إلى اللجوء للجمعيات الخيرية لتوفير العلاج، خاصة مع ارتفاع تكلفة بعض الأدوية التى كانت تحتاجها زوجته، والتى كانت تصل إلى مبالغ كبيرة شهريا قد يتعدى الـ100 ألف جنيه، ما شكل عبئًا ماديًا ونفسيًا كبيرًا على الأسرة.
ومع استمرار رحلة العلاج، ظهرت مضاعفات جديدة، من بينها تأثر المخيخ، ما تسبب فى آلام شديدة وصعوبات فى الحركة والكلام، لتدخل الحالة مرحلة أكثر تعقيدًا، استدعت الخضوع لجلسات علاج إشعاعي، إلى جانب محاولات علاجية أخرى.
ويختتم عبد المنصف حديثه بالتأكيد على أن معاناة مرضى الأورام لا تتوقف عند حدود المرض، بل تمتد إلى تحديات توفير العلاج، وصعوبة الوصول إلى الأدوية المناسبة فى الوقت المناسب، مطالبًا بضرورة دعم المرضى وتوفير الأدوية بشكل مستمر، لتخفيف العبء عنهم فى واحدة من أصعب معارك حياتهم.
الانتظار قاتل
أما هالة محمود، فتؤكد أن ألم المرض أو قسوة جلسات العلاج ليست وحدها من تؤلمها، بل تلك الرحلة الشاقة التى تتكرر مع كل محاولة للحصول على الدواء.
ففى ساعات الصباح الأولى، تقف هالة أمام الصيدلية التابعة للمعهد القومى للأورام، وسط عشرات المرضى، فى طابور طويل يمتد لساعات، بعضهم يجلس على الأرصفة، وآخرون يتكئون على الجدران، بينما ينتظر الجميع دورهم فى صمت، يحملون آلامهم وأملهم فى الحصول على العلاج.
تقول هالة إنها تضطر فى كثير من الأحيان إلى الانتظار نحو 4 ساعات كاملة من أجل صرف الدواء وأحيانًا تنصرف دون الحصول عليه بسبب شدة الإرهاق التى تتعرض لها، وأحيانًا بعد الانتظار نجد أن العلاج غير متوافر.
ولا تقتصر المعاناة على طول فترة الانتظار، بل تمتد إلى تعقيد الإجراءات الروتينية، حيث تمر هالة بعدة خطوات للحصول على الدواء، من أوراق واعتمادات وتوقيعات، ما يزيد من إرهاقها فى ظل حالتها الصحية.. وتتابع: «نحن لا نطلب أكثر من حقنا فى العلاج، لكن الطريق إليه مرهق جدًا»
الأزمة لا تزال قائمة
ومن جهته يوضح محمود فؤاد، مدير المركز المصرى للحق فى الدواء، إن أزمة نقص بعض الأدوية ما زالت قائمة، موضحًا أن مصر لم تتعاف بشكل كامل من مشكلة نقص الدواء، خاصة فيما يتعلق بأدوية الأمراض المزمنة، مضيفًا أن الأزمة تشمل عددًا من الأدوية المهمة، مثل أدوية الهرمونات، وأدوية الأمراض المناعية، وأدوية ضمور العضلات، وأدوية الثلاسيميا، إلى جانب بعض أدوية علاج السرطان.
ويشير إلى أن الأزمة تعود لعدة أسباب، من بينها ارتفاع أسعار هذه الأدوية، ما يجعل توفيرها بشكل مستمر يمثل عبئًا على بعض الجهات، سواء فى منظومة التأمين الصحى أو العلاج على نفقة الدولة، لافتًا إلى أن بعض الأدوية قد تكون متوافرة أحيانًا فى الصيدليات الخاصة ولكن بكميات محدودة.
ويضيف أن هناك أنواعًا قليلة جدًا من الأدوية قد تتوافر فى بعض سلاسل الصيدليات مثل صيدليات 19011 المعروفة بصيدليات «24 ساعة»، إلا أنها لا تغطى جميع محافظات الجمهورية، ما يدفع بعض المرضى إلى السفر من محافظاتهم إلى القاهرة للحصول على الدواء من أماكن مثل صيدلية الإسعاف.
الإفراج الجمركي
وينوه محمود فؤاد أن من بين الأسباب المهمة أيضًا لنقص بعض الأدوية تأخر الإفراج الجمركى عن شحنات الدواء، موضحًا أن هذه المشكلة تتكرر كثيرًا، رغم المطالبات المتكررة بضرورة إعطاء الأدوية أولوية فى إجراءات الإفراج، مشيرا إلى أن تأخر دخول الشحنات إلى السوق يؤدى إلى نقص الكميات المتاحة، وهو ما يخلق حالة من القلق بين المرضى، فيسعى البعض إلى شراء أكثر من عبوة عند توافر الدواء خوفًا من انقطاعه مرة أخرى، الأمر الذى يزيد من الضغط على الكميات المتاحة فى السوق. كما لفت إلى أن مصر ما زالت فى مراحل توطين صناعة الدواء لبعض الأصناف المهمة، وهو ما يجعل الاعتماد على الاستيراد قائمًا فى عدد من الأدوية.
مديونيات الشراء الموحد
ويكشف أن المديونيات المتراكمة على الهيئة المصرية للشراء الموحد تعد من العوامل المؤثرة فى الأزمة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن شراء الأدوية لصالح منظومة العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، إضافة إلى بعض الأدوية المتداولة فى السوق، ويبين أن هذه المديونيات، رغم الجهود الحكومية لتسويتها وصرف مليارات الجنيهات لصالح شركات الأدوية، ما زالت كبيرة، وهو ما يجعل بعض الشركات تتردد فى توفير كميات إضافية من الأدوية مرتفعة التكلفة، خاصة فى ظل تأخر سداد مستحقاتها لفترات طويلة، الأمر الذى ينعكس فى النهاية على توافر بعض الأدوية فى السوق.
استيراد الأدوية
وفى هذا السياق، يتحدث الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية، عن أن هناك عدداً من العوامل المرتبطة بتوافر أدوية الأورام وطبيعة تداولها، حيث إن أدوية الأورام تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، موضحًا أن 95% من أدوية الأورام يتم استيرادها من الخارج، وهو ما يجعل توافرها مرتبطًا بعمليات الاستيراد وسلاسل الإمداد العالمية.
ويضيف أن أدوية الأورام لها طبيعة خاصة فى تداولها داخل السوق، إذ لا يتم بيعها فى جميع الصيدليات مثل الأدوية العادية، لأنها أدوية متخصصة تحتاج إلى إشراف طبى ووصفات دقيقة، مشيرا إلى أنه رغم وجود نحو 80 ألف صيدلية فى مصر، فإن أدوية الأورام لا يمكن أن تكون متوفرة فى جميع هذه الصيدليات، لأنها أدوية موجهة لفئات محددة من المرضى ويتم صرفها فى أماكن متخصصة.
ويوضح أن بعض المرضى قد يعتقدون بوجود نقص فى الدواء بسبب عدم معرفة أماكن توافره، مشيرًا إلى أن بعض أدوية الأورام قد تكون موجودة فى صيدليات الإسعاف المنتشرة على مستوى الجمهورية، والتى يبلغ عددها نحو 28 صيدلية إسعاف.
ويضيف أنه يمكن للمواطنين الاستعلام عن أماكن توافر الدواء من خلال الاتصال على رقم صيدليات الإسعاف 16688، أو التواصل مع الخط الساخن الخاص بهيئة الدواء المصرية على الرقم 15301، حيث يمكن للمريض السؤال عن اسم الدواء وسيتم إخباره بأماكن توافره وسعره وأقرب صيدلية يمكن الحصول عليه منها.
خطة سنوية
وتابع أن أدوية الأورام يتم توفيرها وفق خطة احتياجات سنوية، موضحًا أن كل دواء يتم تحديد كمية مستهدفة منه خلال العام، على سبيل المثال 100 ألف حقنة سنويًا يتم توزيعها على 4 أرباع سنوية، ولكن فى بعض الحالات قد يتم استهلاك هذه الكمية قبل نهاية العام، فقد يتم استهلاك 100 ألف حقنة خلال 6 أشهر فقط بدلاً من عام كامل، وهو ما يؤدى إلى حدوث نقص مؤقت إلى أن تتمكن الشركات من توفير كميات إضافية.
موضحا أن الشركات فى هذه الحالة تحتاج عادة إلى 3 أو 4 أشهر لإنتاج أو توفير شحنات جديدة، وهو ما قد يؤدى إلى فجوة مؤقتة فى توافر الدواء.. كما يشير إلى أن بعض الشركات قد تتجه أحيانًا إلى توجيه إنتاجها إلى دول أخرى إذا كانت أسعار الدواء أعلى هناك، موضحًا أن بعض الشركات قد تفضل البيع فى أسواق تحقق لها أرباحًا أكبر إذا لم يتم تعديل سعر الدواء محليًا.
ويكشف أن ما يُثار بشأن وجود مديونيات على الهيئة المصرية للشراء الموحد، موضحًا أن الهيئة كان عليها بالفعل مديونية تقدر بنحو 43 مليار جنيه، تم سداد ما يقرب من 50% منها لصالح شركات الأدوية، مؤكدًا أن هذه المديونية ليست السبب المباشر فى نقص الدواء بالسوق، بدليل أن بعض المرضى يتمكنون من شراء الدواء من خارج المستشفيات، حيث إن الدواء قد لا يكون متوافرًا أحيانًا داخل بعض المستشفيات التابعة لوزارة الصحة أو التأمين الصحى نتيجة الميزانيات المخصصة لها، حيث يكون لكل مستشفى ميزانية محددة لشراء الأدوية، وقد تنفد هذه الميزانية قبل نهاية العام، ما يدفع بعض المرضى إلى شراء الدواء من خارج المستشفى، مؤكدًا على أن الدولة مسؤولة عن توفير العلاج لمرضى الأورام، خاصة فى منظومتى التأمين الصحى والعلاج على نفقة الدولة، مؤكدًا أن ارتفاع تكلفة الأدوية يمثل تحديًا، إلا أن هناك جهودًا مستمرة لضمان إتاحة العلاج.
توطين الصناعة
ويؤكد أن الدولة تعمل على تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال توطين صناعة أدوية الأورام فى مصر. وفى هذا الإطار بدأت بعض الشركات المحلية بالفعل فى تطوير خطوط إنتاج متخصصة، من بينها شركة سيديكو للأدوية، إلى جانب مشروعات إنتاج داخل مدينة الدواء المصرية جيبتو فارما بالتعاون مع شركات عالمية، كما أن هناك تعاقدًا مع إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة فى أدوية الأورام، ومن المقرر أنه بدأ إنتاج أول أدوية أورام يتم تصنيعها داخل مصر اعتبارًا من عام 2024، على أن يتم إنتاج أكثر من 10 أدوية أورام محليًا، وهو ما قد يسهم فى خفض تكلفة العلاج.
ويشير أيضًا إلى أن خطة توطين الصناعة تستهدف الوصول إلى تصنيع نحو 50% من أدوية الأورام محليًا خلال 5 سنوات، وهو ما قد يمثل خطوة مهمة فى تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الأمن الدوائي.
وفيما يتعلق بما يتردد عن نقص بعض الأصناف الدوائية بشكل عام، أوضح أن هناك نحو 200 صنف دوائى قد يواجه نقصًا فى السوق، لكن يوجد بدائل ومثائل للغالبية منهم، مؤكدا على أن فكرة «البديل الدوائي» لا تعنى أن الدواء أقل كفاءة، موضحًا أن الأدوية تعتمد أساسًا على المادة الفعالة نفسها حتى لو اختلف الاسم التجاري، مشددًا على أهمية تعامل المرضى مع الأدوية وفق الاسم العلمى وليس الاسم التجاري، لأن الدواء نفسه قد تنتجه شركات متعددة بالمادة الفعالة ذاتها.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







