إنها مصر

هل الخلاص فى هزيمتهم جميعًا؟

كرم جبر
كرم جبر


هل الخلاص الذى يريح المنطقة والعالم هو خسارتهم جميعا «أمريكا وإسرائيل وإيران»؟.. رغم أنها أمنيات لكنها تعكس الرغبة فى إعادة الاعتبار، بعيداً عن الأطماع والوصاية والمشاريع الإقليمية.. الشرق الأوسط يحتاج إلى سلام يُبنى على أسس متوازنة، لا على انتصار طرف على آخر.
فأى انتصار أمريكى يرسخ نموذج الهيمنة فى المنطقة، ويجعلها ساحة تجارب جديدة مفتوحة للسياسات الأمريكية، بعد أن أثبت وجودها العسكرى رغم تفوقه، عجزاً عن توفير حماية حقيقية لحلفائه، بينما دفع المنطقة نحو دوامات من الفوضى، بدلا من الاستقرار.. معادلات القوة التى تفرضها واشنطون بعيدة عن تطلعات الدول، وتأتى على حساب سيادة الشعوب واستقرارها.
وأما الانتصار الإسرائيلى فيعد تتويجا لأطماع نتنياهو، حول «إعادة تشكيل الشرق الأوسط»، ويجعل المنطقة رهينة للغطرسة العسكرية الإسرائيلية تحت مظلة الحماية الأمريكية المطلقة، ويعنى عمليا وأد أى أمل فى حل عادل للقضية الفلسطينية، ويفرض واقعا جديدا يقوم على «التطبيع القسرى» الذى يتجاوز الحقوق التاريخية، ويؤسس لحلف «ابرام» الذى يروج له ترامب.
وفى المقابل، فانتصار إيران يعنى تضخم نفوذها العقائدى والسياسى، ويمنح «قبلة الحياة» لمشروع «إيران الكبرى»، الذى يتغذى على إضعاف دول الجوار، ويعيد تنشيط الأذرع والميليشيات العسكرية، فى غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وتظل المنطقة فى حالة استنزاف وحرب مستمرة، ويفرض نموذجاً طائفياً غريباً.
أما المعضلة المعقدة فهى هزيمة إيران وانهيارها، وتفتيتها إلى دويلات متناحرة «كردية وبلوشية وأذرية وعربية»، وانتقال الصراعات العرقية إلى الجوار، كما أن تحول مضيق هرمز إلى سلاح لابتزاز العالم بأسره، يؤدى إلى كارثة لا يمكن احتواؤها.. انكسار المشروع التوسعى الايرانى لا يتحقق بانهيار الدولة، الذى قد يفجر المنطقة بأكملها.
لقد حاولت أمريكا فى سنوات سابقة نقل ثقلها نحو جنوب شرق آسيا لمواجهة المارد الصينى والكورى الشمالى، لكن سحر الشرق وثروات النفط والغاز جذبها بشدة، وانخرط ترامب فى حرب غزة ومشاريع «مجلس السلام»، أغرقت واشنطون المنطقة بقواتها العسكرية لحرب إيران، مما أوقع الجميع فى فخ التداعيات الشرسة.
والأخطر فى هذا السياق، هو الرهان على «توقف الحرب دون فائز أو مهزوم»، نتيجة تراجع ترامب أو الضغوط الانتخابية الداخلية لاقتراب انتخابات الكونجرس، فالانسحاب الفوضوى يترك فراغاً استراتيجياً تصطدم فيه الطموحات الإقليمية المتوحشة، مما يعنى اشتعالاً أوسع ونزاعات أكثر دموية.
قد يكون مخرج الطوارئ الوحيد لهذه المنطقة، ليس تتويج منتصر، بل «هزيمة الأطماع المشتركة».. ملء الفراغ الاستراتيجى يتطلب تكتلاً عربياً مستقلا، يرتكز على مصالح الشعوب، لا على الأجندات العابرة للحدود.
التوازن المفقود لن يستقيم إلا حين تدرك كل الأطراف أن تكلفة استمرار مشاريع الهيمنة، أصبحت عبئاً ثقيلاً على الجميع، وأن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من رفع السيوف من على رقاب الدول والشعوب .