قلب مفتوح

هشام عطية يكتب: حرب الحسابات الخاطئة

هشام عطية
هشام عطية


مع دخول الحرب الصفرية المدمرة فى الشرق الأوسط أسبوعها الرابع، يمكننا القول إنها «حرب الحسابات الخاطئة» بامتياز، حيث تحولت الأوهام الاستراتيجية إلى كوابيس ميدانية، وترنحت البديهيات العسكرية تحت وطأة صواريخ المقاومة والتضاريس السياسية الوعرة.

واشنطن كانت تراهن على حرب خاطفة وحاسمة، وعزز غرورها الاغتيال السريع للمرشد الأعلى الذى اعتقدت أن غيابه عن المشهد يعنى انهيار النظام الإيرانى بأكمله. لكن الاغتيال الذى كان يفترض أن يكون النهاية، تحول إلى بداية جديدة من النزف الأمريكى.

فبعد مقتل عشرات الجنود الأمريكيين فى كمائن نوعية، وإسقاط العديد من الطائرات المقاتلة والمسيرات المتطورة فوق أجواء العراق والخليج، باتت واشنطن تدرك أن «صدمة الاغتيال» لم تفلح إلا فى استنفار أذرع إيران بدلاً من شلها.

على الجبهة الأخرى، وقع الكيان الصهيونى فى فخ «غرور القوة» فبعد أن ظن أن ضربات حرب الـ 12 يوماً الأولى قد أتت على القوة الصاروخية الإيرانية، استيقظ على سماء تل أبيب وحيفا ونهاريا وكريات شمونة وغيرها من الأراضى المحتلة وهى تمطِر لهيباً وصواريخ ومسيراتٍ إيرانيةً.

اضطر معها الكيان الصهيونى إلى الاعتراف بوصول عشرات الصواريخ الإيرانية الباليستية فى العمق المحتل وسقوط قتلى ومصابين، وسط توقف شبه كامل للحياة الاقتصادية فى المستوطنات الشمالية، وانخفاض مؤشر بورصة تل أبيب بنسبة 12٪ منذ بدء الحرب.

لكن الخطأ الأكبر ارتكبته إيران نفسها، حين ظنت أن توسيع دائرة النار بالعدوان على دول الخليج سيكون بمثابة وسيلة ضغط لإنهاء الحرب، فإذا بها تمنح واشنطن وتل أبيب غطاءً ذهبياً لتغليف عدوانهما بثوب «حماية المنطقة». الموقف الأكثر عقلانية فى حرب الحسابات الخاطئة هو موقف دول الخليج، برفضها الانجرار إلى مستنقع المواجهة المباشرة مع إيران، ليس ضعفاً، بل وعياً بأن الصهاينة والأمريكان يسعون لإشعال «حرب مذهبية» سنية-شيعية. وأن هدفهم غير المعلن من وراء هذه الحرب هو استنزاف جميع أطراف المنطقة عرباً وفرساً، ليبقى الكيان الصهيونى القوة العظمى الوحيدة ويتحقق «حلم إسرائيل الكبرى» على أنقاض جيرانها الممزقين.

ووسط براكين الدم والنار المتفجرة فى المنطقة، تطل مصر بثقلها ووعيها التاريخى، ويبرز موقفها الرصين بوصفه محاولة لاستعادة التوازن فى لحظة اختلال شامل. فالقاهرة، التى دفعت أثماناً باهظةً فى حروب المنطقة عبر تاريخها، تدرك أن أخطر ما فى هذه المواجهة ليس الصواريخ ولا أزمات الطاقة، بل احتمال انزلاق الشرق الأوسط كله إلى حرب استنزاف طويلة تحطم الدول وتعيد رسم الخرائط من جديد على أنقاضها.

أدركت مصر منذ بداية التحرشات الصهيو-أمريكية بإيران أن الهدف الرئيسى من هذا العدوان هو إشعال فتيل حروب بالوكالة تُبقى المنطقة رهينةً للأبد للدمار والخراب والاستباحة. الموقف المصرى العاقل الذى يدعو للتهدئة يشكل قراءة عميقة للمستقبل، حيث إن إنقاذ المنطقة يبدأ بوقف النزيف وأخماد نيران الحرب، لا بالمشاركة فيها.