ياسر عبد العزيز يكتب: هل يعيد أبوريدة استنساخ جيل الفرحة؟

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


قبل أكثر من عشرين عامًا، وُلدت فكرة بدت فى لحظتها جريئة إلى حد المغامرة، لكنها تحولت لاحقًا إلى حدوتة تاريخية يتباهى بها المصريون من بين أعظم قصص النجاح فى تاريخ الفراعنة..

يومها جلس هانى أبوريدة «مهندس» كرة القدم المصرية عبر سنوات بعيدة مع الراحل عبده صالح الوحش أحد رموز الكرة المصرية، يتناقشان داخل اللجنة الفنية التى تشكلت بقرار من وزير الرياضة الأسبق أنس الفقى لوضع ملامح المرحلة الجديدة للمنتخب الوطنى الأول الذى كان يمر بمرحلة عصيبة..

كانت اللجنة التى ترأسها أبوريدة والوحش تضم أسماء كبيرة: مصطفى مراد فهمى وعلى أبوجريشة وعبد المنعم الحاج وعصام عبد المنعم بوصفه رئيسا للجنة المعينة آنذاك..

وكان الاتجاه السائد حينها يميل إلى التعاقد مع مدرب أجنبى، وكان المرشح الأقرب فى ذلك الوقت البولندى كاسبرزاك.. وتسبب تأخر وصول المدرب الأجنبى فى فتح باب لفكرة نوعية مختلفة تمامًا؛ عندما فاجأ الدولى أبوريدة أحد أعضاء اللجنة الرباعية الدولية التى تحكم وتتحكم الآن فى صياغة كرة القدم عالميا الحضور باقتراح بدا للبعض مغامرة غير محسوبة: لماذا لا يتولى «المعلم» حسن شحاتة قيادة منتخب مصر الأول، ويكون إلى جواره المدرب القدير شوقى غريب؟
فى البداية، لم يكن الاقتناع بهذه الفكرة سهلًا؛ فقد تساءل الوحش وقتها بوضوح: كيف يمكن تعيين مدرب يعمل فى أندية الدرجة الثانية مديرًا فنيًا لمنتخب مصر الأول؟

لكن أبوريدة لم يكن يتحدث عن اسم مدرب فقط، بل عن «مشروع جيل كامل»؛ فقد شرح له أن قوام المنتخب فى ذلك الوقت كان يتكون من مجموعة مميزة من اللاعبين، يتقدمهم 5 لاعبين من جيل مواليد 1983 الذين قادهم حسن شحاتة فى منتخب الشباب، ومعهم 7 لاعبين من مواليد 1979 إلى 1981 الذين كان يقودهم شوقى غريب وحقق بهم برونزية كأس العالم للشباب، الإنجاز الأبرز حتى الآن فى كرة القدم المصرية.

كانت الفكرة ببساطة تقوم على توحيد جيلين نشآ مع نفس المدرسة التدريبية، ومنحهما الثقة لقيادة المنتخب الوطنى.. ومع النقاش الحضارى من أبوريدة دفاعا عن فكرته التى كانت خارج الصندوق اقتنع الوحش وباقى أعضاء اللجنة بالفكرة، لتخرج إلى النور واحدة من أهم القرارات فى تاريخ الكرة المصرية.. القرار الذى أنجب لاحقًا ما عرفه المصريون باسم «جيل الفرحة».

جيلٌ قاده المعلم حسن شحاتة والعبقرى شوقى غريب فنيًا، ووقف خلفهما جهاز وطنى متكامل، فكانت النتيجة إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق، حين توج الفراعنة بثلاث بطولات إفريقية متتالية؛ ليكتب المعلم وغريب ورفاقهما صفحة ذهبية خالدة على جدران ذاكرة المجد الكروى كأعظم لحظات الكرة المصرية.

وفى عام 2017 كرر أبوريدة الفكرة وبادر بها عندما وضع شوقى غريب على رأس القيادة الفنية للمنتخب الأوليمبى وأبلى جيل غريب بلاء حسنا وأحرز ذهبية إفريقيا وناطح الكبار فى أولمبياد طوكيو 2020 وبدلا من تكريمه وتصعيده على رأس القيادة الفنية للمنتخب الأول؛ كدروه وأقالوه ووأدوا فكرة خروج جيل فرحة جديد لمصر خوفا من احتساب النجاح المطلق للقائد أبوريدة الذى كان يقاوم حملات ممنهجة ضده فآثر الاكتفاء بالتواجد الدولى فقط خلال تلك الفترة الاستثنائية.

اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك اللحظة التاريخية الخاصة بجيلى المعلم وغريب، تعود الكرة المصرية إلى نقطة البحث عن مشروع جديد.. ومع تولى المهندس هانى أبوريدة رئاسة اتحاد الكرة المصرى يظهر الحديث مجددًا عن مشروع «المنتخبات الوطنية»، وهو مشروع يحمل فى داخله فرصة حقيقية لإعادة بناء الكرة المصرية إذا تم التعامل معه بعقلية صناعة الأجيال لا بعقلية الأهواء وإدارة المباريات؛ فالكرة المصرية لم تكن يومًا فقيرة فى المواهب.. على العكس، المواهب موجودة فى كل الأندية وقطاعات الناشئين ولدينا مخزون رائع من المحترفين الصغار فى الملاعب الأوروبية، لكن ما ينقصها دائمًا هو المشروع الذى يجمع هذه المواهب داخل رؤية واحدة وخطة واضحة وعين فنية خبيرة كالتى صنعت لنا جيل الفرحة منذ سنوات.

ولهذا تبدو الحاجة اليوم ملحة لإعادة إحياء روح «مشروع جيل الفرحة»، ولكن بصيغة أكثر تنظيمًا وحداثة.. صيغة تبدأ بمنح المعلم دورًا فعالا باعتباره رئيس اللجنة الفنية الحالية فى اختيار خليفته من بين المدربين الوطنيين، ليكون هذا المدرب مسئولًا عن مشروع صناعة جيل المستقبل.. مدرب يبدأ مهمته من قيادة المنتخب الأولمبى، ليصبح هذا المنتخب نواة لمنتخب ثانٍ لمصر، يتم إعداده بعناية ويخوض تجارب قوية فى بطولات مثل بطولة العرب وبطولة إفريقيا الخاصة باللاعبين المحليين فى حالة إقامتها.

ولا يتوقف الدور عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل الإشراف الفنى على منتخبات الشباب والناشئين، بحيث تعمل جميعها داخل فلسفة كروية وفنية واحدة، وخطة إعداد طويلة المدى تصنع فى النهاية جيلًا متكاملًا قادرًا على المنافسة وحصد البطولات لسنوات طويلة.

لقد أثبت «جيل المعلم وغريب» أن الكرة المصرية قادرة على حكم القارة حين تمتلك المشروع الصحيح؛ ولذلك فإن إعادة بناء هذا المشروع اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة كروية إذا أرادت مصر أن تستعيد مكانتها الطبيعية فى إفريقيا..لقد صنع «جيل الفرحة» تاريخًا لن يُنسى؛ لكن السؤال الذى يظل معلقًا فى سماء الكرة المصرية: هل يعيد المخضرم أبوريدة استنساخ الحلم من جديد؟.. قناعاتى أنه فى الطريق إلى ذلك.