قلوب تبنى وأياد تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب، تتجدد حكايات الخير، بعيداً عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثاً عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسماً، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثراً يبقى طويلاً فى قلوب وعقول الناس.
نشأ فى ريف مصر، ورأى عن قرب معاناة أبنائه، فكان ذلك دافعاً مبكراً لصياغة مسيرته، عرف بين أقرانه أنه مثال للتفوق والانضباط، فآمن والده بموهبته وحرص على الاستثمار فى تعليمه دون تردد، ليحصد ثمرة اجتهاده متصدراً دفعة طب المنصورة، ويختار عن اقتناع تخصص جراحة الجهاز الهضمى.
ومنذ ذلك الحين، واصل العمل ليلاً نهاراً لتطوير أحد أهم برامج زراعة الكبد من متبرع حى فى الشرق الأوسط، حتى توجت جهوده وجهود زملائه بتأسيس أول مركز متخصص لزراعة الكبد، ليمنح الأمل لمرضى ضاقت بهم سبل العلاج، وأصبحت الزراعة بالنسبة إليهم الخيار الأخير للنجاة.
العالم الدكتور محمد عبد الوهاب رئيس فريق زراعة الكبد بجامعة المنصورة ورئيس مجلس إدارة جمعية رعاية مرضى زراعة الكبد وأول عربى وإفريقى يترأس الجمعية العالمية لجراحة الجهاز الهضمى والكبد والأورام، التى منحته لقب رجل العام بمصر والشرق الأوسط العام الماضى، كما حصل على معظم الجوائز والتكريمات المحلية والعالمية.
وواصل مسيرته العلمية والطبية حتى غدا واحدًا من أبرز أساتذة جراحة الجهاز الهضمى على المستوى الدولى، وشارك أستاذه الراحل الدكتور فاروق عزت فى تأسيس مركز الجهاز الهضمى، وكذلك إطلاق برنامج زراعة الكبد من متبرع حى، وهى جراحة تُعد أكثر تعقيدًا بكثير من زراعة الكبد من متوفى حديثًا.
وعقب وفاة الدكتور فاروق عزت، كاد برنامج زراعة الكبد أن يتراجع، غير أن الدكتور محمد عبد الوهاب نذر نفسه للحفاظ عليه وتطويره، بالتعاون مع عدد من زملائه وتلاميذه، فانطلقوا به من جديد، حتى بلغ مكانة عالمية فى غضون سنوات قليلة.
وأكد العالم الكبير أن عدد مَن تم إجراء الجراحة لهم بلغ 1212 مريضاً بينهم 127 من دول عربية وإفريقية و1085 مريضاً مصرياً وذلك بنسب نجاح عالمية ليصبح البرنامج الأول مصرياً والثالث عالمياً.
ونوه بأنه تم تجهيز جناح لإقامة مرضى زراعة الكبد بعد العمليات وتم تكوين فريق متكامل لزراعة الكبد من فرق الجراحة والتخدير والعناية المركزة ووحدة مناظير القنوات المرارية وأمراض الكبد وفريق الأشعة والمناعة وتحليل الأنسجة والتمريض والتسجيل الطبى والتغذية.
وبدأ المشروع عام 2004 بالتعاون مع جراح فرنسى كان يتقاضى 5 آلاف يورو للحالة الواحدة، بخلاف تكاليف الإقامة والانتقال وغيرها ولو استمر الوضع لكان قد كلف المركز 5 ملايين يورو، لذا لم يستمر سوى 20 حالة وبعدها تم الاعتماد على الفريق المصرى بالكامل، نظرًا لخبرة مركز الجهاز الهضمى فى جراحات الكبد منذ عام 1985 واليوم بلغ عدد الفريق 32 من أعضاء هيئة التدريس وهو أكبر فريق متكامل بمصر والشرق الأوسط.
وأضاف أنه تم تطوير برنامج زراعة الكبد ووضع نظام منضبط لتدريب الأطباء حتى وصل عدد الجراحين الرئيسيين إلى 12 جراح زراعة كبد وتم التواصل مع رجال أعمال وشركات وبنوك لدعم المرضى غير القادرين، حيث تم جمع 86 مليون جنيه لصالح هؤلاء المرضى حتى عام 2012.
ولفت إلى أن تكلفة العمليات، التى أجريت لأول 633 حالة تم إعفاء 60 % من التكلفة و23 % تحملوا جزءاً من التكلفة و17 % فقط هم الذين سددوا التكلفة بالكامل.
وكان القرار التاريخى للرئيس عبد الفتاح السيسى عام 2018 وهو تحمل الدولة لكل تكاليف إجراء عمليات زراعة الكبد لجميع المرضى، وكذا تحمل تكاليف متابعتهم وعلاجهم الشهرى مدى الحياة وهو القرار الإنسانى غير المسبوق الذى جعل المريض الغنى والقادر يقيمان معاً ويتلقيان ذات الخدمة المتميزة على نفقة الدولة.
وأشار د.عبد الوهاب إلى توجيه الرئيس بإنشاء أول مركز من نوعه بالشرق الأوسط وإفريقيا لزراعة الكبد بجامعة المنصورة، الذى تم افتتاحه مؤخراً ليقضى على قوائم الانتظار وليتيح خدمة طبية بمعايير عالمية على أرض مصرية وبأيادٍ مصرية ويفتح أبوابه لجميع المصريين.
وذكر أن من أهم عوامل النجاح الكبير لبرنامج زراعة الكبد والمركز الجديد هو الدعم غير المحدود من الدكتور شريف خاطر رئيس الجامعة وإدارة الجامعة ومتابعته الدائمة للبرنامج وتذليل كل العقبات التى تواجه فريق الزراعة على الفور، مشيراً إلى نظام العمل بالمركز الجديد هو الحضور اليومى من السبت إلى الخميس من 8 صباحًا وقد يمتد حتى منتصف الليل وعقد اجتماع أسبوعى يوم الأربعاء لدراسة الحالات بحضور 32 عضو هيئة تدريس، وتقسيم العمل بين الفرق فى العمليات والمتابعة الدقيقة فى العناية المركزة وأرشيف طبى ورقى وإليكترونى لكل مريض مدى الحياة ومتابعة المرضى يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع.
ولا تنسى والدة الطفل خ. م من فارسكور ذلك اليوم الذى قصدت فيه المركز وهى تحمل صغيرها، البالغ من العمر ثمانى سنوات، وقد أنهكه الاستسقاء، ولم يكن فى حوزتها سوى جنيهات معدودة بالكاد تكفى عودتها إلى منزلها، لم يخطر ببالها أن تمتد إليها أيادٍ رحيمة داخل المركز، وأن يتولى د.عبد الوهاب بنفسه تدبير جميع التكاليف.
وتروى أن نجلها أُجريت له الجراحة بنجاح قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين لا يزال الدكتور عبد الوهاب يتحمل فرق تكاليف الأدوية من ماله الخاص، فى صمتٍ لا يعلم به أحد.
وقال المريض ص. ح، 58 عامًا، من إحدى الدول العربية الشقيقة، إنه لم يكن يتصور أن يبلغ التقدم الطبى هذا المستوى، فبعدما أبلغه عدد من الأطباء بأن أيامه باتت معدودة، قصد المركز على أمل أن يجد بارقة نور، فوجد نافذة أمل واسعة لا مجرد بارقة.
وأضاف أنه لم يكن يملك من تكاليف الجراحة سوى مبلغ محدود، إلا أن ما لمسه داخل المركز فاق كل توقعاته، سواء على مستوى الرعاية الطبية أو الدعم الإنسانى، ويؤكد أن أسرته ومعارفه لم يستوعبوا حجم ما تحقق، مختتمًا حديثه بقوله: «حقاً مصر أم الدنيا وعمار يا مصر».
وهكذا تتجاوز حكاية الدكتور محمد عبد الوهاب حدود التفوق العلمى إلى معنى أعمق للعطاء، حيث امتزجت الجراحة الدقيقة برسالة إنسانية لا تعرف تمييزًا بين غنى وفقير، فالمركز الذى خرج من رحم المعاناة، لم يكن مجرد صرح طبى متطور، بل بيت للنجاة، تتساوى داخله الفرص وتعلو فيه قيمة الإنسان قبل أى اعتبار.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







