يروى الكاتب الكبير كامل الشناوى فى مقال بمجلة «الجيل» حكاية «الشيخ المزيف» الذى نزل على قريته «نوسا البحر» فى رمضان سنة 1924، فيقول :
«كانت القرية هادئة هانئة، وبها طائفة من شيوخ العائلات، أكسبتهم السنون وقاراً وهيبة وخلعت عليهم لباس العلماء ففى أيديهم مسابح، وفى وجوههم لحى زانها الشيب، وفى جباههم خطوط من أثر الصلاة، وكانت القرية خالية من حوادث الإجرام وآثار الفقر، وعندما هبط شهر رمضان على القرية استقبلته بمظاهر الحفاوة والكرم، زُينت الموائد وتبارى الأعيان فى إحياء سهراتهم بأحسن المقرئين، ولم يكد رمضان يقيم أسبوعاً بالقرية، حتى وفد عليها شيخ وقور فأنزله العمدة منزل كرم وخصص له جناحاً بالمضيفة، ولما حان موعد الإفطار قدم له طعاماً حافلاً بالأطايب، لكنه طلب تمراً ولبناً، وبعد الإفطار أخذ يصلى ويتهجد إلى موعد السحور وأكل نفس ما أكل فى الفطور، وظل ساهراً حتى الفجر فأدى فريضته بالمسجد وعاد لغرفته، وفى اليوم التالى عرف بعض الأهليين أن اسمه «الشيخ عويس» فكانوا يسألون: «ما رأيك فى كذا وكيت»، وكان جوابه غمغمة وهمساً وأحياناً تصايحاً على هذا النحو «الله.. الله.. الله».
كان الشيخ عويس وقوراً لم يشرف على الأربعين لكنه كان كمن يبدو فى الستين، له وجه مستدير وعينان براقتان تشرفان على أنف أفطس تحته شفتان دائمتا التمتمة، نام عليهما شاربه واستطالت لحيته على الجانبين، وترامى إلى الناس أن الشيخ عويس من أولياء الله ذوى الأنفاس الباتعة وقيل إنه من أهل الحظوة، وقيل إنه المهدى المُنتظر، وسمع الرجل ما ترامى إلى الناس من أمره، فبكى مستعيذاً بالله من الفتنة، وكان ذلك الزهد فى اعتقاد الناس فيه مغرياً لهم بالتمادى فى اعتقادهم فتمادوا إلى أبعد الحدود، وشُوهد الرجل فى إحدى الليالى مُمزق الجلباب من ناحية الكتف فسارع الأهلون يعرضون عليه أغلى الثياب فرفضها وقال إنه لم يُمنح إذناً بتغيير جلبابه وذهب الناس فى تعليل تمزيق الثوب مذاهب شتى، وكان المذهب الشائع أن التمزيق جاء نتيجة عراك بين الشيخ والشيطان، وقال آخرون بل لعل الملائكة جذبوه إليهم، فمزق الجذب جلبابه !.
وعندما أذاع الرجل أنه قد أُذن له بتغيير الثوب، عرض عليه الأهلون ثياباً مختلفة الأنواع فأختار منها ثوباً رخيصاً من البفتة البيضاء! وفى صباح يوم جمعة زاره العمدة وجماعة من الأعيان وحيوه بتحية الإسلام، فلم يرد عليهم التحية، ونظر إليهم غاضباً وصاح فيهم بصوت مذبوح النبرات، لماذا لم تخبرونى بأن هذا البلد نجس ؟
فقالوا : «كيف ؟»
قال : «لقد طلبت لكم الرحمة فقيل إن هذا البلد من الأنجاس ! ولا يطهره إلا مبلغ مائتى وسبعة وتسعين جنيهاً، يدفعها الأهلون من عرق الجبين تكفيراً عن سيئاتهم، وسأذهب بالمبلغ إلى الحجاز لأوزعه على فقراء مكة والبيت الحرام»، انتهز العمدة صلاة الجمعة وجمع له من المصلين مائتى جنيه، وفى صبيحة يوم السبت حضر مأمور المركز ومعه قوة من الجند فوضعوا القيد فى يدى الشيخ عويس، وعرف الناس أنه السجين رقم 67 المحكوم عليه بقتل عمه بخمسة عشر عاماً قضى منها خمسة أعوام وهرب من سجن الزقازيق، وكشف الله ستره، واجتمع أهل القرية وأخذوا يودعون الوالى الزائف باللعنات، ودنا منه أحد الفتيان وقال له: «لا تنسى أن تقرأ لنا الفاتحة فى بيت الله الحرام»!.
كامل الشناوى «الجيل» - رمضان 1957

كنوز| نازلى تتحدث لـ «المصور» عن قسوة فاروق الأول !
كنوز| محمود المليجى يكتب: أكلت الثعابين فى مدريد
كنوز| بدايات هدى سلطان الصعبة فى ذكراها الـ 20






