د/ أحمد شبل
مدرِّس الحديث بجامعة الأزهر
وعضو مركز الأزهر العالميِّ للفتوى الإلكترونيَّة
لا شكَّ أنَّ الجنَّةَ هي أعظمُ مطلوبٍ، وأغلى مقصودٍ؛ فهي سلعةُ اللهِ الغاليةُ، ومَن رزقَهُ اللهُ تعالى أن يكونَ من أهلِها فهو الفائزُ السعيدُ، ومَن خُذِلَ فابتعدَ عنها كان من الأشقياءِ والتُّعساءِ. قال اللهُ تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]. وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، في الحديثِ الذي أخرجهُ البخاريُّ في صحيحهِ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، أي: قدرُ موضعِه، والسَّوطُ هو ما يُضرَبُ به، ويكونُ من الجلدِ ونحوِه.
وصيامُ شهرِ رمضانَ من أعظمِ الأسبابِ التي تُحقِّقُ هذا النعيمَ المُقيمَ، وتُوصِلُ العبدَ إلى تلك الدرجاتِ العاليةِ؛ ومن ذلك أنَّه بمجرَّدِ دخولِ شهرِ رمضانَ يفتحُ اللهُ فيهِ أبوابَ الجنَّةِ على مصاريعِها، وتُغلَقُ فيهِ أبوابُ النارِ. ففي الحديثِ الذي أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ، من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». وفتحُ أبوابِ الجنَّةِ هنا كنايةٌ عن كثرةِ الداخلينَ فيها بسببِ الصيامِ في شهرِ رمضانَ؛ ذلكَ أنَّ الصائمَ يُجاهِدُ نفسَهُ، ويحرصُ على بلوغِ تقوى اللهِ ومراقبتِه، التي هي غايةُ الصيامِ وفائدتُه، فيُقرِّبُه ذلكَ من اللهِ تعالى، ويجعلُه في مرتبةٍ إيمانيَّةٍ عاليةٍ، يستحقُّ بها أن يكونَ من أهلِ الجنَّةِ.
ومن فضلِ شهرِ رمضانَ أنَّ اللهَ جعلَ للصائمينَ بابًا مخصوصًا يدخلونَ منهُ الجنَّةَ؛ ففي الحديثِ الذي أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ، من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنهُ، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». وقال الإمامُ القسطلانيُّ: وهو مناسبٌ لحالِ الصائمينَ؛ لأنَّهم بتعطيشِهم أنفسَهم في الدنيا يدخلونَ من بابِ الرَّيَّانِ؛ ليأمنوا من العطشِ.
وقد عدَّدَ اللهُ أبوابَ الجنَّةِ فجعلَها ثمانيةً، وقد وردَ في الحديثِ المتفقِ عليهِ أنَّ اللهَ سبحانهُ جعلَ لكلِّ أهلِ طاعةٍ مشهورينَ بها بابًا يدخلونَ منهُ الجنَّةَ يومَ القيامةِ، ومن هؤلاءِ الصائمونَ. فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ – يَعْنِي الجَنَّةَ –: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ، وَبَابِ الرَّيَّانِ». فقال أبو بكرٍ: ما على هذا الذي يُدعَى من تلكَ الأبوابِ من ضرورةٍ، وقال: هل يُدعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ».
ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الصيامَ يُباعِدُ عن النارِ؛ وإذا بَعُدَ العبدُ عن النارِ قَرُبَ من الجنَّةِ بلا شكٍّ. فقد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، في الحديثِ المتفقِ عليهِ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
وبهذا يتبيَّنُ جليًّا أنَّ الصيامَ بابٌ واسعٌ لدخولِ الجنَّةِ، وطريقٌ مُمهَّدٌ؛ مَن سلكَهُ وحافظَ عليهِ رزقَهُ اللهُ الجنَّةَ ونعيمَها.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







