رأى

العدل فى الإسلام (3)

المستشار طاهر الخولى وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب
المستشار طاهر الخولى وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب


 العدل فى الإسلام، هو الركيزة التى يقوم عليها عمران المجتمعات واستقرار الدول، فالإسلام منذ اللحظة الأولى أقام على ميزان العدل، حيث ارتبط تاريخ الإسلام بأسماء قادة أصبح العدل عنوان سيرتهم وسبب خلودهم فى الذاكرة الإنسانية، وفى مقدمتهم يأتى النبى محمد رسول الله الذى جسّد العدل قولًا وفعلًا، ثم جاء من بعده عمر بن الخطاب ليقيم دولة أصبحت مثالًا يُحتذى فى الإنصاف بين الناس، حتى صار اسمه مرادفًا للعدل فى كتب التاريخ، وفى امتداد هذا النهج المشرق، وهو ما تم الحديث عنه فى مقالات الأسابيع الماضية ليأتى الحديث على الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز بوصفه أحد أعظم نماذج الحكم العادل فى التاريخ الإسلامي، حتى لقّبه كثير من العلماء بـ خامس الخلفاء الراشدين.

لم يتولَّ عمر بن عبد العزيز الحكم باعتباره غاية يسعى إليها، بل حمله باعتباره أمانة ثقيلة ومسؤولية أمام الله، فمنذ توليه الخلافة عام 99 هـ حتى بدأ عهده بإصلاحات عميقة أعادت للدولة روح العدل التى كادت أن تغيب، فاتخذ قراره الأول بفتح باب مراجعة المظالم التى وقعت على الناس، فأمر بردّ الحقوق إلى أصحابها، وأعاد الأراضى والأموال التى أُخذت بغير حق، حتى وإن كانت فى يد بعض أقاربه من بنى أمية، لقد أراد أن يرسل رسالة واضحة مفادها أن العدل لا يعرف قرابة ولا يخضع لنفوذ.

كما قرر إسقاط الجزية عن غير العرب ممن دخلوا الإسلام، فقد كان بعض الولاة يفرضون الجزية على من أسلم حفاظًا على موارد الدولة، لكن عمر بن عبد العزيز رفض أن يكون المال سببًا فى ظلم الناس، وكتب إلى ولاته عبارته الشهيرة التى أصبحت قاعدة فى فلسفة الحكم: «إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا»، فالدولة فى نظره ليست آلة لجمع الأموال، بل مؤسسة لتحقيق العدل وصيانة كرامة الإنسان.

ولم يكن عدله مجرد سياسات عامة، بل كان سلوكًا يوميًا ينعكس فى أدق تفاصيل حياته، فقد عُرف عنه خوفه الشديد على المال العام،  فإنه كان إذا جلس للنظر فى شؤون الدولة استخدم مصباحا من بيت مال المسلمين، فإذا انتهى من عمله وأراد الحديث فى أموره الخاصة أطفأ المصباح وأشعل مصباح آخر من ماله الخاص، فلم يكن هذا الموقف مجرد تصرف رمزي، بل رسالة أخلاقية تؤكد أن الحاكم العادل هو أول من يحفظ حقوق الناس.
ولعل من أعظم صور عدله أنه بدأ الإصلاح من بيته قبل أن يطالب به الآخرين، فطلب من زوجته فاطمة بنت عبد الملك أن تردّ ما لديها من حليّ وجواهر كانت من أموال بيت المال، فاستجابت لذلك وأعادتها، كما أعاد هو نفسه كثيرًا من ممتلكاته الخاصة إلى بيت مال المسلمين، ليؤكد أن الحاكم لا ينبغى أن يتميز عن الناس بالمال أو الامتيازات، بل بالعدل والقدوة.

وقد انعكست هذه السياسة العادلة سريعًا على حياة الناس فى عهده، فمع رفع الظلم وتخفيف الأعباء، عمّ الأمن والاستقرار، وتحسنت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، حتى تذكر بعض الروايات التاريخية أن عمال الزكاة كانوا يطوفون فى بعض الأقاليم فلا يجدون من يقبلها، نتيجة انتشار التكافل وتحسن أحوال الناس.

إن تجربة عمر بن عبد العزيز تقدم درسًا بالغ الدلالة فى فهم طبيعة الحكم العادل. فالدول قد تقوى بالسلاح، وقد تزدهر بالمال، لكنها لا تستقر إلا بالعدل، ولهذا لم يخلّد التاريخ أسماء كثير من الحكام الذين حكموا سنوات طويلة، بينما بقى اسم عمر بن عبد العزيز حاضرًا فى الضمير الإسلامى رغم أن فترة حكمه لم تتجاوز عامين ونصف العام..

لقد أثبت هذا الخليفة العادل أن قوة الدولة الحقيقية لا تُقاس باتساع حدودها أو كثرة مواردها، بل بقدرتها على إقامة العدل بين أبنائها. ولهذا ظل اسمه شاهدًا على حقيقة خالدة: «أن العدل ليس فضيلة سياسية فحسب .. بل هو أساس بقاء الدول وطمأنينة الشعوب.